إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم بهذا كله هو -وحده- الذي يدفعه للاضطلاع بعبء النهوض بتحقيق منهج الله الذي رضيه للناس، في وجه العقبات الشاقة والتكاليف المضنية والمقاومة العنيدة والكيد الناصب والألم الذي يكاد يجاوز الطاقة في كثير من الأحيان ..
إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة باسم التسامح والتقريب بين أهل الأديان السماوية، ويخطئون في فهم معنى الأديان كما يخطئون في فهم معنى التسامح .. فالدين هو الدين الأخير وحده عند الله. والتسامح يكون في المعاملات الشخصية، لا في التصور الاعتقادي ولا في النظام الاجتماعي .. إنهما يحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس المسلم بأن الله لا يقبل دينا إلا الإسلام وبأن عليه أن يحقق منهج الله الممثل في الإسلام، ولا يقبل دونه بديلا، ولا يقبل فيه تعديلا -ولو طفيفا- هذا اليقين الذي ينشئه القرآن الكريم وهو يقرر (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) . وفي القرآن كلمة الفصل .. ولا على المسلم من تمييع المتميعين وتمييعهم لهذا اليقين.
وما يزال الإسلام والذين يتصفون به -ولو أنهم ليسوا من الإسلام في شيء- يلقون من عنت الحرب المشبوبة عليهم وعلى عقيدتهم في كل مكان على سطح الأرض، ما يصدق قول الله تعالى"بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ".. وما يحتم أن يتدرع المسلمون الواعون بنصيحة ربهم لهم، بل بأمره الجازم ونهيه القاطع وقضائه الحاسم في المفاصلة الكاملة بين أولياء الله ورسوله، وكل معسكر آخر لا يرفع راية الله ورسوله .. إن الإسلام يكلف المسلم أن يقيم علاقاته بالناس جميعًا على أساس العقيدة .. فالولاء والعداء لا يكونان في تصور المسلم وفي حركته على السواء إلا في العقيدة .. ومن ثم لا يمكن أن يقوم الولاء -وهو التناصر- بين المسلم وغير المسم. إذ أنهما لا يمكن أن يتناصرا في مجال العقيدة .. ولا حتى أمام الإلحاد مثلا -كما يتصور بعض السذج منا وبعض من لا يقرأون القرآن -وكيف يتناصران وليس بينهما أساس مشترك يتناصران عليه؟ .. إن بعض من لا يقرأون القرآن ولا يعرفون حقيقة الإسلام، وبعض المخدوعين أيضًا يتصورون أن الدين كله دين، كما أن الإلحاد كله إلحاد، وأنه يمكن أن يقف التدين بجملته في وجه الإلحاد- لأن الإلحاد ينكر الدين كله. ويحارب التدين على الإطلاق. ولكن الأمر ليس كذلك في التصور الإسلامي ولا في حس المسلم الذي يتذوق الإسلام، ولا يتذوق الإسلام إلا من يأخذه عقيدة، وحركة بهذه العقيدة لإقامة النظام الإسلامي. إن الأمر في التصور الإسلامي وفي حسّ المسلم واضح محدد.