وهذه الحقائق الواعية يغفل عنها السذج منا في هذا الزمان، وفي كل زمان حين يفهمون أننا نستطيع أن نضع أيدينا في أيدي أهل الكتاب في الأرض للوقوف في وجه المادية والإلحاد بوصفنا جميعًا أهل دين، ناسين تعاليم القرآن كله، وناسين تعليم التاريخ كله. فأهل الكتاب هؤلاء هم الذين كانوا يقولون للذين كفروا من المشركين (هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) .. وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين ألّبوا المشركين على الجماعة المسلمة في المدينة، وكانوا لهم درعا وردءًا .. وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين شنّوا الحروب الصليبية خلال مئتي عام، وهم الذين ارتكبوا فظائع الأندلس، وهم الذين شرّدوا المسلمين في فلسطين، وأحلوا اليهود محلهم متعاونين في هذا مع الإلحاد والمادية وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين يُشَردون المسلمين في كل مكان .. في الحبشة والصومال وأريتيرية، ويتعاونون في هذا التشريد مع الإلحاد والمادية والوثنية في يوغسلافية والصين والتركستان والهند وفي كل مكان .. ثم يظهر بيننا من يظن أنه يمكن أن يقوم بيننا وبين أهل الكتاب هؤلاء ولاء وتناصر ندفع به المادية الإلحادية عن الدين .. إن هؤلاء لا يقرأون القرآن .. وإذا قرأوه اختلطت عليهم دعوة السماحة التي هي طابع الإسلام، فظنوها دعوة الولاء الذي يحذر منه القرآن .. إن هؤلاء لا يعيش الإسلام في حسهم، لا بوصفه عقيدة لا يقبل الله من الناس غيرها ولا بوصفه حركة إيجابية تستهدف إنشاء واقع جديد في الأرض تقف في وجه عداوات أهل الكتاب اليوم، كما وقفت له بالأمس الموقف الذي لا يمكن تبديله لأنه الموقف الطبيعي الوحيد .. إن نداء الله موجه إلى كل جماعة مسلمة تقوم في أي ركن من أركان الأرض إلى يوم القيامة، موجه لكل من ينطبق عليه ذات يوم صفة (الَّذِينَ آمَنُوا) .. لقد نزل القرآن ليبث الوعي اللازم للمسلم في المعركة التي يخوضها بعقيدته ولينشئ تلك المفاصلة الكاملة بينه وبين كل من لا ينتمي إلى الجماعة المسلمة ولا يقف تحت رايتها، المفاصلة التي لا تنهي السماحة الخلقية، فهذه صفة المسلم دائما، ولكنها تنهي الولاء الذي لا يكون في قلب المسلم إلا إلى الله ورسوله والذين آمنوا .. الوعي والمفاصلة اللذان لا بد منهما للمسلم في كل أرض وفي كل جيل. فهذا مفرق الطريق، وما يمكن أن يتميع حس المسلم في المفاصلة الكاملة بينه وبين كل من ينهج غير منهج الإسلام، وبينه وبين كل من لا يرفع راية الإسلام، ثم يكون في وسعه بعد ذلك أن يعمل عملًا ذا قيمة في الحركة الإسلامية الضخمة التي تستهدف أول ما تستهدف إقامة نظام واقعي في الأرض فريد، يختلف عن كل الأنظمة الأخرى، ويعتمد على تصور متفرد كذلك من كل التصورات الأخرى.
إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم الذي لا أرجحة فيه ولا تردد بأن دينه هو الدين الوحيد الذي يقبله الله من الناس بعد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وبأن منهجه الذي كلفه الله أن يقيم الحياة عليه منهج منفرد لا نظير له بين سائر المناهج، ولا يمكن الاستغناء عنه بمنهج آخر، ولا تصلح الحياة البشرية ولاتستقيم إلا أن تقيم على هذا المنهج وحده دون سواه، ولا يعفيه الله ولا يغفر له ولا يقبله إلا إذا هو بذل جهد طاقته في إقامة هذا المنهج بكل جوانبه: الاعتقادية والاجتماعية، لم يأل في ذلك جهدًا ولم يقبل منه منهجا بديلا -ولا في جزء منه صغير- ولم يخلط بينه وبين أي منهج آهر في تصور اعتقادي ولا في نظام اجتماعي ولا في أحكام تشريعية إلا ما استبقاه الله في هذا المنهج من شرائع من قبلنا ..