وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها. ويعلن غيرها. ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل، يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرمانه في الأرض جميعًا. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ، سَاء مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) .. إنه نبأ يمثل حال الذين يكذبون بآيات الله بعد أن تبين لهم، فيعرفوها ثم لا يستقيموا عليها .. وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر. ما أكثر الذين يعطون علم دين الله ثم لا يهتدون به، إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه، واتباع الهوى به، وهواهم وهوى المتسلطين الذين يملكون لهم -في وهمهم- عرض الحياة الدنيا. لقد رأينا من هؤلاء من يعلم ويقول: إن التشريع حق من حقوق الله سبحانه. من ادعاه فقد ادعى الألوهية. ومن ادعى الألوهية فقد كفر. ومن أقرّ له بهذا الحق وتابعه عليه فقد كفر أيضًا .. ومع ذلك مع علمه بهذا الحقيقة التي يعلمها من الدين بالضرورة، فإنه يدعو للطواغيت الذين يدعون حق التشريع، ويدعون الألوهية بادعاء هذا الحق .. ممن حكم عليهم هو بالكفر.
وقد رأينا من هؤلاء من يكتب في تحريم الربا كله عامًا، ثم يكتب في حله كذلك عامًا آخر .. ورأينا منهم من يبارك الفجور وإشاعة الفاحشة بين الناس، ويخلع على هذا الوحل رداء الدين وشاراته وعناوينه. فماذا يكون هذا إلا مصداقًا لنبأ الذي آتيناه آياتنا فانسل منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين؟ وماذا يكون هذا إلا أن يكون المسخ الذي يحكيه الله سبحانه عن صاحبه النبأ (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) ..
ولو شاء الله لرفعه بما آتاه من العلم بآياته. ولكنه سبحانه لم يشأ، لأن ذلك الذي عَلِمَ الآيات أخلد إلى الأرض واتبع هواه ولم يتبع الآيات .. إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله، فلم ينتفع بهذا العلم ولم يستقم على طريق الإيمان. وانسلخ من نعمة الإيمان، ليصبح تابعًا ذليلًا للشيطان، ولينتهي إلى مرتبة المسخ في مرتبة الحيوان.
ثم ما هذا اللهاث الذي لا ينقطع؟ إنه اللهاث وراء أعراض هذه الحياة الدنيا التي من أجلها ينسلخ الذين يؤتيهم الله آياته فينسلخون منها. ذلك اللهاث القلق الذي لا يطمئن أبدًا، والذي لا يتركه صاحبه سواء وعظته أم لم تعظه، فهو منطلق فيه أبدًا ..