إن الحياة البشرية ما تَني تطلع علينا بهذا المثل في كل مكان وفي كل زمان وفي كل بيئة. حتى أنه لتمر فترات كثيرة، وما تكاد العين تقع على عالم إلا وهذا مثله. فيما عدا الندرة النادرة ممّن عصم الله، ممن لا ينسلخون من آيات الله. ولا يخلدون إلى الأرض، ولا يتبعون الهوى، ولا يستذلهم الشيطان، ولا يلهثون وراء الحطام الذي يمكله أصحاب السلطان .. فهو مثل لا ينقطع وُروده ووجوده، وما هو بمحصور في قصة وقعت في جيل من الزمان، وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتلوه على قومه الذين كانت تتنزل عليهم آيات الله، كي لا ينسلخوا منها وقد أوتوها. ثم لتبقى من بعده ومن بعدهم يتلى .. ليحذر الذين يعلمون من علم الله شيئًا أن ينتهوا إلى هذه النهاية البائسة، وأن يصيروا إلى هذا اللهاث الذي لا ينقطع أبدًا، وأن يظلموا أنفسهم ذلك الظلم الذي لا يظلمه عدو لعدو، فإنهم لا يظلمون إلا أنفسهم بهذه النهاية النكدة. ولقد رأينا من هؤلاء والعياذ بالله في زماننا هذا من كان كأنما يحرص على ظلم نفسه، أو كمن يعضّ بالنواجذ على مكان له في قعر جهنم، يخشى أن ينازعه اياه أحد من المتسابقين معه في الخلية، فهو ما يني يقدم كل صباح ما يثبت به مكانه هذا في جهنم، وما يني يلهث وراء هذا المطمع لهاثا لا ينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنيا .. اللهم اعصمنا وثبت أقدامنا وأفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين ..
إن القرآن الكريم يعمل ولا يزال يعمل في قيادة المجتمع المسلم، وفي توجيهه وفي توعيته، وفي إعداده لمهمته الضخمة. ولن يُفهم هذا القرآن إلا وهو يُدرس في مجاله الحركي الهائل. ولن يفهمه إلا أناس يتحركون به .. والقرآن الكريم يحذر من التشكيلات التي تتخذ ستارا إسلاميا وفي حقيقتها إصرارًا بالإسلام (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ) .. لقد اتخذ مسجد الضرار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكيدة للمسلمين، لا يُراد به الإضرار بالمسلمين وإلا الكفر بالله، وإلا ستر المتآمرين على الجماعة المسلمة الكائدين لها في الظلام، وإلا التعاون مع أعداء هذا الدين على الكيد له تحت ستار الدين ..
وليعرف الدعاة في كل زمان وفي كل مكان أن هذا المسجد ما يزال يتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين. تتخذ في صور نشاط ظاهره للإسلام وباطنه لسحق الإسلام. أو تشويهه أو تمويهه، وتمييعه، وتتخذ في صور أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتترس وراءها، وهي ترمي هذا الدين، وتتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات. وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام لتخدر القلقين الذين يرون الإسلام يذبح ويمحق، فتخدرهم هذه التشكيلات، وتلك الكتب إلى أن الإسلام بخير .. لا خوف عليه ولا قلق .. وتتخذ في صور شتى .. ومن أجل مساجد الضرار الكثيرة هذه يتحتم على الدعاة كشفها، وإنزال اللافتات الخادعة عنها، وبيان حقيقتها للناس. وما تخفيه وراءها، ولنا أسوة في كشف مسجد الضرار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان الله القوي الصريح.