الصفحة 37 من 306

إن آفة رجال الدين، حين يصبخ الدين حرفة وصناعة، لا عقيدة حارة دافعة، إنهم يقولون بأقواههم ما ليس في قلوبهم، يأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون إلى البر ويهملونه، ويحرفون الكلم عن مواضعه. ويُؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص ولكن تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان .. والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعية إليه. هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك، لا في الدعاة وحدهم، ولكن في الدعوات ذاتها، وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم لأنهم يسمعون قولًا جميلًا، ويشهدون فعلًا قبيحًا فتملكهم الحيرة بين القول والفعل. وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة، وينطفئ في قلوبهم النور الذي يشعه الإيمان، ولا يعودون يثقون بالدين بعدما فقدوا ثقتهم برجال الدين.

إن الكلمة لتنبعث ميتة وتصل هامدة، مهما تكن طنانة رنانة متحمسة، إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها. ولن يُؤمن إنسان بما يقبل حقًا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول، وتجسيما واقعيا لما ينطق .. عندئذ يؤمن الناس ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق .. إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها. وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها .. إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة لأنها منبثقة من حياة. والمطابقة بين القول والفعل وبين العقيدة والسلوك ليست مع هذا أمرا هينا، ولا طريقًا معبدًا .. إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة .. وإلى صلة بالله واستمداد منه واستعانة بهديه. فملابسات الحياة وضروراتها واضطراراتها كثيرة مما تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره، أو عما يدعو إليه غيره. والفرد القاني ما لم يتصل بالقوة الخالدة ضعيف مهما كانت قوته، لأن قوى الشر والطغيان والإغواء أكبر منه، وقد يغالبها مرة ومرة ومرة، ولكن لحظة ضعف تنتابه، فيتخاذل ويتهاوى ويخسر ماضيه، وحاضره ومستقبله، فأما وهو يركن إلى قوة الأزل والأبد فهو قوي قوي. أقوى من كل قوي. قوي على شهوته وضعفه، قوي على ضروراته واضطراراته، قوي على ذوي القوة الذين يواجهونه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت