إن الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ، ولا يعيش في فراغ كذلك .. لا ينشأ في الأدمغة والأوراق. إنما ينشأ في واقع الحياة، وليست أية حياة. إنما هي حياة المجتمع المسلم على وجه التحديد .. ومن ثم لا بد أن يوجه المجتمع المسلم أولا بتركيبه العضوي الطبيعي، فيكون هو الوسط الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي ويطبق .. وعندئذ تختلف الأمور جدًا .. وإن المحنة الحقيقية لهؤلاء الباحثين أنهم يتصورون أن هذا الواقع الجاهلي هو الأصل الذي يجب على دين الله أن يطابق نفسه عليه. ولكن الأمر غير ذلك تمامًا .. إن دين الله هو الأصل الذي يجب على البشرية أن تطابق نفسها عليه، وأن تُحور من واقعها الجاهلي وتُغير حتى تتم هذه المطابقة .. ولكن هذا التحو وهذا التغير لا ينمان عادة إلا عن طريق واحد .. هو التحرك في وجه الجاهلية لتحقيق ألوهية الله في الأرض وربوبيته وحده للعباد وتحرير الناس من العبودية للطاغوت بتحكيم شريعة الله وحدها في حياتهم .. وهذه الحركة لا بد أن تواجه الفتنة والأذى والابتلاء. فيفتن من يفتن، ويرتد من يرتد. ويصدق الله من يصدقه فيقضي نحبه ويستشهد، ويصبر من يصبر ويمضي في حركته حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق، وحتى يمكن الله له في الأرض .. وعندئذ فقط يقوم النظام الإسلامي، وقد انطبع المتحركون لتحقيقه بطابعه وتميزوا بقيمه .. وعندئذ تكون لحياتهم مطالب وحاجات تختلف في طبيعتها، وفي طرق تلبيتها عن حاجات المجتمعات الجاهلية، ومطالبها وطرق تلبيتها ..
وعلى ضوء واقع المجتمع المسلم يومذاك تستنبط الأحكام، وينشأ فقه إسلامي حي متحرك، لا في فراغ ولكن في وسط واقعي مُحدد المطالب والحاجات والمشكلات .. إن نقطة البدء في المتاهة كما قلنا: هي افتراض أن هذه المجتمعات القائمة هي المجتمعات الإسلامية، وأنه سيجاء بأحكام الفقه الإسلامي من الأوراق لنطبق عليها، وهي بهذا التركيب العضوي ذاته، وبالتصورات والمشاعر والقيم والموازين ذاتها. كما أن أصل المحنة هو الشعور بأن واقع هذه المجتمعات الجاهلية وتركيبها الحاضر هو الأصل الذي يجب على دين الله أن يطابق نفسه عليه. وأن يُحور ويُطور ويغير في أحكامه ليلاحق حاجات هذه المجتمعات ومشكلاتها. حاجاتها ومشكلاتها المنبثقة أصلًا من مخالفتها للإسلام، ومن خروج حياتها جملة من إطاره. ونحسب أنه قد آن للإسلام أن يستعلي في نفوس دعاته، فلا يجعلوه مجرد خادم للأوضاع الجاهلية، والمجتمعات الجاهلية والحاجات الجاهلية. وأن يقولوا للناس والذين يستفتونهم بوجه خاص .. تعالوا أنتم أولًا إلى الإسلام، وأعلنوا خضوعكم سلفًا لأحكامه .. أو بعبارة أخرى .. تعالوا أنتم أولا فادخلوا في دين الله وأعلنوا عبوديتكم لله وحده واشهدوا أن لا إله إلا الله، بمدلولها الذي لا يقوم الإيمان والإسلام إلا به، وهو إفراد الله بألوهيته في الأرض كإفراده بالألوهية في السماء. وتقرير ربوبيته أي حاكميته وسلطانه وحده في حياة الناس بجملتها. وتنحية ربوبية العباد للعباد. بتنحية حاكمية العباد للعباد، وتشريع العباد للعباد .. وحين يستجيب الناس أو الجماعة منهم لهذا القول، فإن المجتمع المسلم يكون قد بدأ أولى خطواته في الوجود. وهذا المجتمع يكون حينئذ هو الوسط الواقعي الحي الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي الحي، وينمو لمواجهة حاجات ذلك المجتمع المسلم لشريعة الله فعلًا ..