فأما اليوم فماذا؟ أين هو المجتمع المسلم الذي قرر أن تكون دينونته لله وحده، والذي رفض بالفعل الدينونة لأحد من العبيد، والذي قرر أن تكون شريعة الله شريعته، والذي رفض بالفعل شريعة أي تشريع لا يجيء من هذا المصدر الشرعي الأول؟ لا أحد يملك أن يزعم أن هذا المجتمع المسلم قائم موجود، ومن ثم لا يتجه مسلم يعرف الإسلام ويفقه منهجه وتاريخه إلى محاولة تنمية الفقه الإسلامي في ظل مجتمعات لا تعترف ابتداء بأن هذا الفقه هو شريعتها الوحيدة التي بها تعيش. ولكن المسلم الجاد يتجه ابتداء لتحقيق الدينونة لله وحده وتقرير مبدأ أنه لا حاكمية إلا لله، وأن لا تشريع إلا مستمدًا من شريعته وحدها تحقيقًا لتلك الدينونة. إنه هزل فارغ لا يليق بجدية هذا الدين أن يشغل ناس أنفسهم بتنمية الفقه الإسلامي في ظل مجتمع لا يتعامل بهذا الفقه، ولا يقيم عليه حياته. كما أنه جهل فاضح بطبيعة هذا الدين أن يفهم أحد أن يستطيع التفقه في هذا الدين وهو قاعد يتعامل مع الكتب والأوراق الباردة .. إن الفقه لا يستنبط من الشريعة إلا في مجرى الحياة الدافق، وإلا مع الحركة بهذا الدين في عالم الواقع.
إن الدينونة لله وحده أنشأت المجتمع المسلم، والمجتمع المسلم أنشأ الفقه الإسلامي، ولا بد من هذا الترتيب .. لا بد أن يوجد مجتمع مسلم ناشئ من الدينونة لله وحده، مُصمم على تنفيذ شريعته وحدها، ثم بعد ذلك لا قبله ينشأ فقه إسلامي مفصّل على قدر المجتمع الذي ينشأ. وليس جاهزًا معدًا من قبل.
ذلك أن كل حكم فقهي هو بطبيعته تطبيق للشريعة الكلية على حالة واقعة ذات حجم معين، وملابسات معينة، وهذه الحالات تنشئها حركة الحياة داخل الإطار الإسلامي، لا بعيدًا عنه، وتحدد حجمها وشكلها وملابساتها، ومن ثم يفصل لها حكم مباشر على قدّرها، فأما تلك الأحكام الجاهزة في بطون الكتب فقد فُصلت من قبل لحالات معينة في أثناء جريان الحياة الإسلامية على أساس تحكيم شريعة الله فعلًا، ولم تكن وقتها جاهزة باردة، كانت وقتها حسية مليئة بالحيوية، وعلينا اليوم أن نُفصل مثلها للحالات الجديدة .. ولكن قبل ذلك يجب أن يوجد المجتمع الذي يقرر ألا يدين لغير الله في شرائعه، وألا يفصل حكمًا شرعيًا إلا من شريعة الله دون سواها، وفي هذا يكون الجهد الجاد المثمر اللائق بجدية هذا الدين .. وفي هذا يكون الجهاد الذي يفتح البصائر، ويمكن من التفقه في الدين حقًا .. وغير هذا لا يكون إلا هزلًا ترفضه طبيعة هذا الدين، وإلا هروبًا من واجب الجهاد الحقيقي تحت التستر بستار (تجديد الفقه الإسلامي) أو تطويره: هروب خير من الاعتراف بالضعف والتقصير، وطلب المغفرة من الله على التخلف والقعود مع المتخلفين القاعدين. وأن الواجب الحالي هو الجهاد في سبيل الله، جهاد لتقرير ألوهية الله في الأرض وطرد الطواغيت المغتصبة لسلطان الله.