إن فقه هذا الدين لم ينشأ في فراغ، كما أنه لا يعيش ولا يفهم في فراغ. لقد نشأ الفقه الإسلامي في مجتمع مسلم، ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع، في مواجهة الحياة الإسلامية الواقعية كذلك لم يكن الفقه الإسلامي هو الذي أنشأ المجتمع المسلم، إنما كان المجتمع المسلم بحركته الواقعية لمواجهة حاجات الحياة الإسلامية هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي .. وهاتان الحقيقتان التاريخيتان الواقعيتان عظيمتا الدلالة، كما أنهما ضروريتان لفهم طبيعة الفقه الإسلامي، وإدراك الطبيعة الحركية للأحكام الفقهية الإسلامية، والذين يأخذون اليوم تلك النصوص والأحكام المدونة، دون إدراك لهاتين الحقيقتين، ودون مراجعة الظروف والملابسات التي نزلت فيها تلك النصوص، ونشأت فيها تلك الأحكام، ودون استحضار لطبيعة الجو، والبيئة والحالة التي كانت تلك النصوص تلبيها وتوجهها، وكانت تلك الأحكام تصاغ فيها وتحكمها وتعيش فيها .. الذين يفعلون ذلك، ويحاولون تطبيق هذه الأحكام كأنها نشأت في فراغ، وكأنها يمكن أن تعيش في فراغ .. هؤلاء ليسوا فقهاء، وليس لهم (فقه) بطبيعة الفقه وبطبيعة هذا الدين أصلًا. إن فقه الحركة يأخذ في اعتباره الواقع الذي نزلت فيه النصوص وصيغت فيه الأحكام. ويرى أن ذلك الواقع يؤلف مع النصوص والأحكام مركبًا لا تنفصل عناصره، فإذا انفصلت عناصر هذا المركب، فقد طبيعته واختل تركيبه. ومن ثم فليس هناك حكم فقهي واحد مستقل بذاته يعيش في فراغ، لا تتمثل فيه عناصر الموقف والجو والبيئة والملابسات التي نشأ نشأته الأولى فيها .. إنه لم ينشأ في فراغ ومن ثم لا يستطيع أن يعيش في فراغ. إن فقه الحركة يختلف اختلافًا أساسيًا عن فقه الأوراق، مع استمداده أصلًا وقيامه على النصوص التي يقوم عليها ويستمد منها فقه الأوراق. والتجارب تجزم بأن الذين لا يندمجون في الحركة بهذا الدين لا يفقهونه مهما تفرغوا لدراسته في الكتب لأنها دراسة باردة، وأن اللمحات الكاشفة في هذا الدين إنما تتجلى للمتحركين به حركة جهادية لتقريره في حياة الناس، ولا تتجلى للمستغرقين في الكتب العاكفين على الأوراق. إن فقه هذا الدين لا ينبثق إلا في أرض الحركة، ولا يُؤخذ عن فقيه قاعد حيث تجب الحركة. إن الفقه الإسلامي وليد الحركة الإسلامية، فقد وُجد الدين أولًا، ثم وجد الفقه وليس العكس هو الصحيح .. وجدت الدينونة لله وحده، ووجد المجتمع الذي قرر أن تكون الدينونة فيه لله وحده، والذي نبذ شرائع الجاهلية وعاداتها وتقاليدها، والذي رفض أن تكون شرائع البشر هي التي تحكم أي جانب من جوانب الحياة فيه .. ثم أخذ هذا المجتمع يزاول الحياة فعلًا وفق المبادئ الكلية في الشريعة الإسلامية، إلى جانب الأحكام الفرعية التي وردت في أصل الشريعة. وفي أثناء مزاولته للحياة الفعلية في ظل الدينونة لله وحده، واستحياء شريعته وحدها تحقيقًا لهذه الدينونة، جدّت له أقضية فرعية بتحدد الحالات الواقعية في حياته .. وهنا فقط بدأ استنباط الأحكام الفقهية وبدأ نمو الفقه الإسلامي .. الحركة بهذا الدين هي التي أنشأت ذلك الفقه، والحركة بهذا الدين هي التي حققت نموه. ولم يكن قط فقهًا مستنبطًا من الأوراق الباردة بعيدًا عن حرارة الحياة الواقعة .. من أجل ذلك كان الفقهاء متفقهين في الدين، يجيء فقههم للدين من تحركهم به، ومن تحركه مع الحياة الواقعة لمجتمع مسلم حي يعيش بهذا الدين، ويجاهد في سبيله، ويتعامل بهذا الفقه الناشئ بسبب حركة الحياة الواقعة.