فأما قبل قيام هذا المجتمع، فالعمل في حقل الفقه والأحكام التنظيمية هو مجرد خداع النفس باستنبات البذور في الهواء. ولن ينبت الفقه الإسلامي في الفراغ كما أنه لن تنبت البذور في الهواء. إن العمل في الحقل (الفكري) للفقه الإسلامي عمل مريح لأنه لا خطر فيه، ولكنه ليس عملًا للإسلام، ولا هو من منهج هذا الدين ولا من طبيعته. وخير للذين ينشدون الراحة والسلامة أن يشتغلوا بالأدب والفن أو بالتجارة، أما الاشتغال بالفقه الآن على ذلك النحو بوصفه عملا للإسلام في هذه الفترة، فأحسب والله أعلم أنه مضيعة للعمر وللأجر أيضًا. إن دين الله يأبى أن يكون مجرد مطية ذلول، ومجرد خادم مطيع لتلبية هذا المجتمع الجاهلي الآبق منه، المتنكر له، الشارد عنه .. الذي يسخر منه الحين بعد الحين باستفتائه في مشكلاته وحاجاته، وهو غير خاضع لشريعته وسلطانه .. إن فقه هذا الدين وأحكامه لا تنشأ في فراغ .. ولا تعمل في فراغ .. وإن النشأة الإسلامية ومراحلها هي دائمة واحدة. والانتقال من الجاهلية إلى الإسلام لن يكون يومًا ما، سهلًا ولا يسيرًا. ولن يبدأ أبدًا من صياغة الأحكام الفقهية في الفراغ .. لتكون معدة جاهزة يوم يقوم المجتمع الإسلامي، والنظام الإسلامي. ولن يكون وجود هذه الأحكام المفصلة على (الجاهز) والناشئة في الفراغ هي نقطة البدء في التحول من الجاهلية إلى الإسلام. وليس الذي ينقص هذه المجتمعات الجاهلية لكي تتحول إلى الإسلام هو الأحكام الفقهية الجاهزة. وليست الصعوبة في ذلك التحول ناشئة عن قصور أحكام الفقه الإسلامي الحاضرة عن ملاحقة حاجات المجتمعات المتطورة .. إلى آخر ما يخادع به بعضهم. وينخدع به بعضهم الآخر. كلا إن الذي يحول دون تحول هذه المجتمعات الجاهلية إلى النظام الإسلامي هو وجود الطواغيت التي تأبى أن تكون الحاكمية لله، فتأبى أن تكون الربوبية في حياة البشر والألوهية في الأرض لله وحده. وتخرج بذلك من الإسلام خروجًا كاملًا. بعد الحكم عليه من المعلوم من الدين بالضرورة .. ثم هو بعد ذلك وجود جماهير من البشر تعبد أولئك الطواغيت من دون الله أي تدين لها وتخضع وتتبع فتجعلها بذلك أربابًا متفرقة معبودة مطاعة. وتخرج هذه الجماهير بهذه العبادة من التوحيد إلى الشرك .. فهذا أخص مدلولات الشرك في الإسلام .. وبهذا وذلك تقوم الجاهلية نظامها في الأرض، وتعتمد على ركائز من خلال التصور بقدر ما تعتمد على ركائز من القوة المادية.
وصياغة أحكام الفقه لا تواجه هذه الجاهلية إذن بوسائل متكافئة. إنما الذي يواجهها دعوة إلى الدخول في الإسلام مرة أخرى. وحركة تواجه الجاهلية بكل ركائزها. ثم يكون ما يكون من شأن كل دعوة للإسلام في وجه الجاهلية ثم يحكم الله بين من يسلمون لله وبين قومهم بالحق .. وعندئذ فقط يجيء دور أحكام الفقه، التي تنشأ نشأة طبيعية في هذا الوسط الواقعي الحي. وتواجه حاجات الحياة الواقعة المتجددة في هذا المجتمع الوليد، وفق حجم هذه الحاجات يومئذ وشكلها وملابساتها. وهي أمور كلها في ضمير الغيب ولا يمكن التكهن بها سلفًا، ولا يكن الاشتغال بها من اليوم على سبيل الجدّ المناسب لطبيعة هذا الدين ..