الصفحة 29 من 306

3 -وحقيقة ثالثة .. حقيقة الارتباط الوثيق في منهج الله بين واقع النفس المسلمة والجماعة المسلمة، وبين كل معركة تخوضها مع أعدائها في أي ميدان، الارتباط بين العقيدة والتصور، وبين النصر أو الهزيمة في كل معركة .. فكل هذه عوامل أساسية فيما يصيبها من نصر أو هزيمة. والمنهج الإلهي من ثم يعمل في مساحة هائلة في النفس الإنسانية وفي الحياة البشرية. مساحة متداخلة الساحات والنقط والخطوط والخيوط، متكاملة في الوقت ذاته وشاملة. والخطة يصيبها الخلل والفشل حين يختلط الترابط والتناسق بين هذه الساحات كلها والنقط والخطوط والخيوط ..

وهذه ميّزة ذلك المنهج الكلي الشامل الذي يأخذ الحياة جملة ولا يأخذها مِزقًا وتفاريق. والذي يتناول النفس والحياة من أقطارها جميعًا. ويلمّ خيوطها المتشابكة المتباعدة، في قبضته، فيحركها كلها حركة واحدة متناسقة لا تصيب النفس بالفصام ولا تُصيب الحياة بالتمزّق والانقسام.

4 -وحقيقة رابعة .. عن طبيعة منهج التربية الإسلامي .. فهو يأخذ الجماعة المسلمة بالأحداث. وما تنشئه في النفوس من مشاعر وانفعالات واستجابات. ثم يأخذهم بالتعقيب على الأحداث .. وهو في التعقيب يتلمّس كل جانب من جوانب النفس البشرية تأثّر بالحادثة، ليُصحح تأثره ويرسب فيه الحقيقة التي يريد لها أن تستقر وتستريح. وهو لا يدع جانبًا من الجوانب ولا خاطرة من الخواطر ولا تصورًا من التصورات، ولا استجابة من الاستجابات حتى يوجه إليها الأنظار ويسلط عليها الأنوار. ويكشف عن المخبوء منها في دروب النفس البشرية ومنحنياتها الكثيرة. وتقف النفس تجاهها مكشوفة عارية، وبذلك يُمحص الدخائل. وينظفها ويظهرها في وضخ النور، ويصحح المشاعر والتصورات والقيم. ويقر المبادئ التي يريد أن يقوم عليها التصور الإسلامي المتين، وأن تقوم عليه الحياة الإسلامية المستقرة .. مما يلهم وجوب اتخاذ الأحداث التي تقع للجماعة المسلمة في كل مكان وسيلة للتنوير والتربية على أوسع نطاق ..

5 -وحقيقة خامسة كذلك .. عن واقعية المنهج الإلهي .. فمن وسائل هذا المنهج لانشاء آثاره في عالم الواقع. مزاولته بالفعل، فهو لا يقدم مبادئ نظرية، ولا توجيهات مجردة .. ولكنه يطبق ويزاول نظرياته وتوجيهاته.

6 -وهناك حقيقة أخيرة نتعلمها وهي حقيقة نافعة لنا في طريقنا إلى استئناف حياة إسلامية بعون الله .. إن منهج الله ثابت، وقيمه وموازينه ثابتة، والبشر يبعدون أو يقربون من هذا المنهج، ويخطئون ويصيبون في قواعد التصور وقواعد السلوك. فإن المنهج القرآني يصفهم بالخطأ وحين ينحرفون عنه فإنه يصفهم بالانحراف ولا يتغاضى عن خطأهم وانحرافهم مهما تكن منازلهم وأقدارهم ولا ينحرف هو ليجاري انحرافهم. ونتعلم نحن من هذا أن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج وأنه من الخير للأمة المسلمة أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة، وأن يوصف المخطئون والمنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه -أيًا كانوا- وألا تُبرر أخطاؤهم وانحرافاتهم أبدًا بتخريف المنهج وتبديل قيمة وموازينه فهذا التحريف والتبديل أخطر على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ والانحراف .. فالمنهج أكبر وأبقى من الأشخاص.

والواقع التاريخي للإسلام ليس هو كل فعل وكل وضع صنعه المسلمون في تاريخهم. وإنما هو كل فعل وكل وضع صنعوه موافقًا تمام الموافقة للمنهج ومبادئه وقيمه الثابتة .. وإلا فهو خطأ أو انحراف لا يُحسب على الإسلام وعلى تاريخ الإسلام. إنما يُحسب على أصحابه وحدهم، ويوصف أصحابه بالوصف الذي يستحقونه: من خطأ أو انحراف أو خروج على الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت