الصفحة 28 من 306

إن النفس البشرية ليست كاملة في واقعها ولكنها في الوقت ذاته قابلة للنمو والارتقاء حتى تبلغ أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض. وها نحن أولاء نرى قطاعًا من قطاعات البشرية -كما هو وعلى الطبيعة- مُمثلًا في الجماعة التي تُمثل قمة الأمة التي يقول الله عنها (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم المثل الكامل للنفس البشرية على الإطلاق. فماذا نرى؟. نرى مجموعة من البشر فيهم الضعف وفيهم النقص وفيهم من يبلغ أن يقول الله عنهم: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ) وهؤلاء مؤمنون مسلمون ولكنهم كانوا في أوائل الطريق كانوا في دور التربية والتكوين. ولكنهم كانوا جادين في أخذ هذا الأمر، مسلمين أمرهم لله مرتضين قيادته ومستسلمين لمنهجه ومن ثم لم يطردهم الله من كتفه، بل رحمهم وعفا عنهم .. نعم إنه سبحانه تركهم يذوقون عاقبة تصرفاتهم وابتلاهم ذلك الابتلاء الشاق المرير .. ولكنه لم يطردهم خارج الصف. ولم يقل لهم إنكم لا تصلحون لشيء من هذا الأمر، بعدما بدا منكم في التجربة من النقص والضعف. لقد قيل ضعفهم هذا ونقصهم وربّاهم بالابتلاء ثم ربّاهم بالتعقيب على الابتلاء والتوجيه إلى ما فيه من عبر وعظات في رحمة وفي عفو وفي سماحة كما يربت الكبير على الصغار وهم يكتوون بالنار ليعرفوا ويدركوا وينضجوا وكشف لهم ضعفهم ومخبآت نفوسهم ليأخذ بأيديهم ويوحي إليهم أن يثقوا بأنفسهم ولا ييأسوا من الوصول ما داموا موصولين بحبل الله المتين .. ثم وصلوا .. وصلوا في النهاية وغلبت فيهم النماذج التي قال الله عنها (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ولقد بلغت بهم التربية الإلهية المستوى السامق ولكنهم مع هذا ظلوا بشرا. وظل فيهم الضعف والنقص والخطأ. ولكن ظل فيهم كذلك الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله ...

إنها الطبيعة البشرية التي يحافظ عليها هذا المنهج ولا يبدلها أو يعطلها ولا يحملها ما لا تطيق. وإن بلغ بها أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض .. وهذه الحقيقة ذات قيمة كبيرة في إعطاء الأمل الدائم للبشرية لتحاول وتبلغ في ظل هذا المنهج الفريد فهذه القمة السامقة التي بلغتها تلك الجماعة، إنما بدأت تنهد إليها من السفح التي التقطها منه .. وهذه الخطى المتعثرة في الطريق الشاق زاولتها جماعة بشرية متخلفة في الجاهلية. متخلفة في كل شيء .. وكل ذلك يُعطى البشرية أملًا كبيرًا في إمكان الوصول إلى ذلك المرتقى السامي، مهما تكن قابعة في السفح ولا يعزل هذه الجماعة الصاعدة فيجعلها وليدة معجزة خارقة لا تتكرر. فهي ليست وليدة خارقة عابرة. إنما هي وليدة المنهج الإلهي الذي يتحقق بالجهد البشري في حدود الطاقة البشرية والطاقة البشرية كما نرى قابلة للكثير ..

هذا المنهج يبدأ بكل جماعة من النقطة التي هي فيها، ومن الواقع المادي التي هي فيه. ثم يمضي بها صعدًا. كما بدأ بتلك الجماعة من الجاهلية العربية الساذجة .. من السفح .. ثم انتهى بها في فترة وجيزة لم تبلغ ربع قرن من الزمان إلى ذلك الأوج السامق. شرط واحد لا بد أن يتحقق .. أن تسلم الجماعات البشرية قيادها لهذا المنهج. أن تؤمن به. وأن تستسلم له. وأن تتخذه قاعدة حياتها، وشعار حركتها، وحادي خطاها في الطريق الشاق الطويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت