الصفحة 27 من 306

وحين يتعرض في هذه المجاهدة للابتلاء والصبر على الجهد والصبر على الأذى والصبر على الهزيمة، والصبر على النصر أيضًا -فالصبر على النصر أشق من الصبر على الهزيمة- وحتى يتمحص القلب ويتميز الصف وتستقيم الجماعة على الطريق وتمضي فيه راشدة صاعدة متوكلة على الله، حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان. لأنه يجاهد نفسه أولًا في أثناء مجاهدته للناس وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبدًا وهو قاعد آمن سالم، وتتبين له حقائق في الناس وفي الحياة لم تكن لتتبين له أبدًا بغير هذه الوسيلة، ويبلغ هو بنفسه ومشاعره وتصوراته وعاداته وطباعه، وبانفعالاته واستجاباته ما لم يكن ليبلغه أبدًا، بدون هذه التجربة الشاقة المريرة ...

وحقيقة الإيمان لا يتم تمامها في جماعة حتى تتعرض للتجربة والامتحان والبلاء، وحتى يتعرّف كل فرد فيها على حقيقة طاقته، وعلى حقيقة غايته، ثم تتعرف هي على حقيقة اللبنات التي تتألف منها. مدى احتمال كل لبنة ثم مدى تماسك هذه اللبنات في ساعة الصدام .. وهذا ما يريد الله سبحانه أن يعلمه للجماعة المسلمة وهو يربيها بالأحداث وهو يقول لها (مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) .. ثم .. وهو يردهم إلى قدر الله وحكمته من وراء الأسباب والوقائع جميعًا فيردهم إلى حقيقة الإيمان الكبرى التي لا يتم تمامها إلا باستقرارها في النفس المؤمنة (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) وإذن فهو في النهاية قدر الله وتدبيره وحكمته من وراء الأسباب والأحداث والأشخاص والحركات .. وهو التصور الإسلامي الشامل الكامل يستقر في النفس من وراء الأحداث والتعقيب المنير على هذه الأحداث ..

2 -وهناك حقيقة أساسية كبيرة عن طبيعة النفس البشرية وطبيعة الفطرة الإنسانية وطبيعة الجهد البشري، ومدى ما يمكن أن يبلغه في تحقيق المنهج الإلهي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت