الصفحة 26 من 306

ليس لأحد من خلق الله إذن أن يسأله سبحانه لماذا شاء أن يخلق الكائن الإنساني بهذه الفطرة؟ ولماذا شاء أن تبقى فطرته هذه عاملة لا تُمحى ولا تُعدل ولا تعطل. ولماذا شاء أن يجعل المنهج الإلهي يتحقق في حياته عن طريق الجهد البشري وفي حدود الطاقة البشرية؟ ولكن لكل أحد من خلقه أن يدرك هذه الحقيقة، ويراها وهي تعمل في واقع البشرية ويفسر التاريخ البشري على ضوئها فيفقه خط سير التاريخ من ناحية، ويعرف كيف يوجه هذا الخط من ناحية أخرى. هذا المنهج الإلهي الذي يُمثله الإسلام كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم .. لا يتحقق في الأرض في دنيا الناس بمجرد تنزيله من عند الله .. ولا يتحقق بمجرد إبلاغه للناس وبيانه ولا يتحقق بالقهر الإلهي على نحو ما يمضي الله ناموسه في دورة الفلك وسير الكواكب وترتب النتائج على أسبابها الطبيعية .. إنما يتحقق بأن تحمله مجموعة من البشر تؤمن به إيمانًا كاملًا وتستقيم عليه بقدر طاقتها وتجعله وظيفة حياتها وغاية آمالها وتجهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم العملية كذلك وتجاهد لهذه الغاية بحيث لا تستبقي جهدًا ولا طاقة .. تجاهد الضعف البشري والهوى البشري والجهل البشري في أنفسها وأنفس الآخرين .. وتجاهد الذين يدفعهم الضعف والهوى والجهل للوقوف في وجه هذا المنهج .. وتبلغ بعد ذلك كله من تحقيق هذا المنهج الإلهي إلى الحد والمستوى الذي تطيقه فطرة البشر. على أن تبدأ بالبشر من النقطة التي هم فيها فعلًا ولا تغفل واقعهم ومقتضيات هذا الواقع في سير مراحل هذا المنهج وتتابعها .. ثم تنصر هذه المجموعة على نفسها وعلى نفوس الناس معها تارة وتنهزم في المعركة مع نفسها أو مع نفوس الناس تارة. بقدر ما تبذل من جهد وبقدر ما تتخذ من الأساليب العملية، وبقدر ما توفق في اختيار هذه الأساليب ... وقبل كل شيء وقبل كل جهد وقبل كل وسيلة .. هناك عنصر آخر: هو مدى تجرد هذه المجموعة لهذا الغرض ومدى تمثيلها لحقيقة هذا المنهج في ذات نفسها ومدى ارتباطها بالله صاحب هذا المنهج وثقتها به وتوكلها عليه. هذه هي حقيقة هذا الدين وهذه هي خطته الحركية ووسيلته .. وهذه هي الحقيقة التي شاء الله أن يعلمها الله للجماعة المسلمة وهو يربيها ..

حيثما تقصر الجماعة المسلمة في تمثيل حقيقة هذا الدين في ذات نفسها في بعض مواقف المعركة. وحينما تقصر في اتخاذ الوسائل العملية الحقيقية الأولية أو تنساها، وتفهم أنه من مقتضى كونها مسلمة أن تنتصر حتما بغض النظر عن تصورها وتصرفها حينئذ يُتركها الله تلاقي الهزيمة وتعاني آلامها المريرة. ويأتي هذا البيان الجازم من الله عز وجل في بيان هذه الحقيقة (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .. ولكنه سبحانه لا يترك المسلمين عند هذه النقطة بل يصلهم بقدر الله من وراء الأسباب والنتائج، ويكشف لهم عن إرادة الخير بهم من وراء الابتلاء الذي وقع بأسبابه الظاهرة من تصرفاتهم الواقعة ...

إن ترك المنهج الإلهي يعمل ويتحقق عن طريق الجهد البشري ويتأثر بتصرف البشر إزاءه هو خير في عمومه. فهو يصلح الحياة البشرية ولا يفسدها أو يعطلها ويصلح الفطرة البشرية ويوقظها ويردّها إلى سوائها .. ذلك أن حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرّض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان مجاهدتهم باللسان بالتبليغ والبيان ومجاهدتهم باليد لدفعهم عن طريق الهدى حين يعترضونه بالقوة الباغية ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت