الصفحة 283 من 306

وأما طاعة الله ورسوله، فلكي يدخل المؤمنون المعركة مستسلمين لله ابتداء فتبطل أسباب النزاع التي أعقبت الأمر بالطاعة (وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) . فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار. فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها وإنما هو وضع الذات في كفة والحق في كفة وترجيح الذات على الحق ابتداء .. ومن ثم هذا التعليم بطاعة الله ورسوله عند المعركة .. إنه من عمليات الضبط التي لا بد منها في المعركة .. إنها طاعة القيادة العليا فيها التي تنبثق منه طاعة الأمير الذي يقودها. وهي طاعة قلبية عميقة لا مجرد للطاعة التنظيمية في الجيوش التي لا تجاهد لله ولا يقوم ولاءها للقيادة على ولاءها لله أصلا والمسافة كبيرة كبيرة.

وأما الصبر فهو الصفة التي لا بد منها لخوض المعركة .. أية معركة، في ميدان النفس أم في ميدان القتال (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) وهذه المعية من الله هي الضمان للصابرين بالفوز والنجاح .. إن العصبة المؤمنة إنما تخرج للقتال في سبيل الله. تخرج لتقرير ألوهيته سبحانه في حياة البشر. وتقرير عبودية العباد لله وحده. وتخرج لتحطيم الطواغيت التي تغتصب حق الله في تعبيد العباد له وحده، والتي تزاول الألوهية في الأرض بمزاولتها للحاكمية وتخرج لتحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله، تستذل إنسانية الإنسان وكرامته .. وتخرج لحماية حرمات الناس وكراماتهم وحرياتهم. لا للاستعلاء على الناس واستعبادهم والتبطر بنعمة القوة .. وتخرج متجردة من حظ نفسها في المعركة جملة، فلا يكون لها من النصر والغلب إلا تحقيق طاعة الله في تلبية أمره بالجهاد وفي إقامة منهجه في الحياة وفي إعلاء كلمته في الأرض، وفي التماس فضله بعد ذلك ورضاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت