وهذا الانطلاق كسب للبشرية كلها، وكسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء. كسب يرجع جميع الآلام وجميع البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون المؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته .. وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف .. وهذا هو الطريق .. هذا هو الطريق كما بينه الله سبحانه لكل جماعة مسلمة في كل جيل .. هذا هو الطريق .. إيمان وجهاد .. ومحنة وابتلاء .. وصبر وثبات، وتوجه إلى الله وحده ثم يجيء النصر. ثم يجيء النعيم .. إن التدبير تدبير الله والنصر من عند الله. والكثرة العددية ليست هي التي تكفل النصر. والعدة المادية ليست هي التي تقرر مصير المعركة فليثبت الذين آمنوا حين يلقون الذين كفروا. وليتزودوا بالعدة الحقيقية للمعركة وليأخذوا بالأسباب الموصولة بصاحب التقدير والتدبير وصاحب العون والمدد، وليحترزوا من خداع الشيطان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ، وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) .. هذه هي عوامل النصر الحقيقية: الثبات عند لقاء العدو، والاتصال بالله بالذكر والطاعة لله والرسول وتجنب النزاع والشقاق والصبر على تكاليف المعركة ..
فأما الثبات فهو بدء الطريق إلى النصر. فأثبت الفريقين أغلبهما، وأما ذكر الله كثيرا عند لقاء الأعداء فهو التوجيه الدائم للمؤمن، كما أنه التعليم المطرد الذي يستقر في قلوب العصبة المؤمنة (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) .. إن ذكر الله عند لقاء العدو يؤدي بوظائف شتى: إنه الاتصال بالقوة التي لا تغلب، والثقة بالله الذي ينصر أولياءه. وهو في الوقت ذاته استحضار حقيقة المعركة وبواعثها وأهدافها. فهي معركة لله لتقرير ألوهيته في الأرض وطرد الطواغيت المغتصبة لهذه الألوهية وإذن هي معركة لتكون كلمة الله هي العليا، لا للسيطرة ولا للمغنم ولا للاستعلاء الشخصي أو القومي كما أنه توكيد لهذا الواجب -واجب ذكر الله- في أحرج الساعات وأشد المواقف. وكلها إيحاءات ذات قيمة قيمة في المعركة يحققها هذا التعليم الرباني ..