الصفحة 284 من 306

إن وعد الله واقع وكلمة الله قائمة (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ، وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) .. هذه هي الحقيقة في كل دعوة لله، يخلص فيها الجند ويتجرد لها الدعاة. إنها غالبة منصورة مهما وضعت في سبيلها العوائق وقامت في طريقها العراقيل، مهما رصد لها الباطل من قوى الحديد والنار، وقوى الدعاية والافتراء وقوى الحرب والمقاومة. وإن هي إلا معارك تختلف نتائجها ثم تنتهي إلى الوعد الذي وعده الله لرسله والذي لا يخلف، ولو قامت قوى الأرض كلها في طريقه. الوعد بالنصر والغلبة والتمكين. هذا الوعد سنة من سنن الله الكونية. سنة ماضية كما تمضي هذه الكواكب والنجوم في دوراتها المنتظمة. وكما يتعاقب الليل والنهار في الأرض على مدار الزمان، وكما تنبثق الحياة في الأرض الميتة ينزل عليها الماء .. ولكنها مرهونة بتقدير الله يحققها حين يشاء.

ولقد تبطئ آثارها الظاهرة بالقياس إلى أعمار البشر المحدودة، ولكنها لا تخلف أبدا ولا تتخلف، وقد تتحقق في صورة لا يدركها البشر لأنهم يطلبون المألوف من صور النصر والغلبة، ولا يدركون تحقق السنة في صورة جديدة إلا بعد حين. ولقد يريد البشر صورة معينة من صور النصر والغلبة لجند الله وأتباع رسله. ويريد الله صورة أخرى أكمل وأبقى. فيكون ما يريده الله. ولو تكلف الجند من المشقة وطول الأمد أكثر مما كانوا ينتظرون .. ولقد أراد المسلمون قبيل غزوة بدر أن تكون لهم عير قريش وأراد الله أن تفوتهم القافلة الرابحة الهينة. وأن يقابلوا النفير وأن يقاتلوا الطائفة ذات الشوكة. وكان ما أراده الله هو الخير لهم وللإسلام.

وكان هو النصر الذي أراده الله لرسوله وجنده ودعوته على مدى الأيام. ولقد يهزم جنود الله في معركة من المعارك وتدور عليهم الدائرة ويقسو عليهم الابتلاء، لأن الله يُعدّهم للنصر في معركة أكبر. ولأن الله يهيئ الظروف من حولهم ليؤتي النصر ثماره في مجال أوسع، وفي خط أطول وفي أثر أدوم. هذه كلمة الله سابقة فقد مضت إرادته بوعده وثبتت سننه لا تتخلف ولا تحيد (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ، وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) ..

والمؤمن يتعامل مع وعد الله على أنه الحقيقة الواقعة فإذا كان الواقع الصغير في جيل محدود أو في رقعة محدودة يخالف تلك الحقيقة. فهذا الواقع هو الباطل الزائل الذي يوجد فترة في الأرض لحكمة خاصة. لعلها استجاشة الإيمان وإهاجته لتحقيق وعد الله في وقته المرسوم. وحين ينظر الإنسان اليوم إلى الحرب الهائلة التي شنها أعداء الإيمان على أهل الإيمان في صورها المتنوعة من بطش ومن ضغط ومن كيد بكل صنوف الكيد في عهود متطاولة بلغ في بعضها من عنف الحملة على المؤمنين أن قتلوا وشردوا وعذبوا وقطعت أرزاقهم وسلطت عليهم جميع أنواع النكابة، ثم بقي الإيمان في قلوب المؤمنين يحميهم من الانهيار ويحمي شعوبهم كلها من ضياع شخصيتها وذوبانها في الأمم الهاجمة عليها، ومن خضوعها للطغيان الغاشم إلا ريثما تنقض عليه وتحطمه .. حين ينظر الإنسان إلى هذا الواقع في المدى المتطاول يجد مصداق قول الله تعالى، يجده في هذا الواقع بدون حاجة إلا الانتظار الطويل (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ، كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) . وعلى أية حال فلا يخالج المؤمن شك في أن وعد الله هو الحقيقة الكائنة التي لا بد أن تظهر في الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت