هذه مكايدهم السياسية التي كشفنا لك القناع عن بعضها فيما تقدم. لكنا إذا أمعنا النظر في المسألة من الوجهة العلمية، ودققنا النظر في الأسباب التي أشكل لأجلها استجلاء حقيقة (الجهاد في سبيل الله) ، واستكناه سرها على المسلمين أنفسهم فضلًا عن غير المسلمين، لاح لنا أن مرجع هذا الخطأ إلى أمرين مهمين لم يسبروا غورهما، ولم يدركوا مغزاهما على وجه الحقيقة.
(فالأول: أنهم ظنوا الإسلام نِحلة( Religion) بالمعنى الذي تطلق عليه كلمة النحلة ( Religion) عامة ..
والثاني أنهم حسبوا المسلمين أمة ( Nation) بالمعنى الذي تستعمل فيه هذه الكلمة في عامة الأحوال.
فالحقيقة أن خطأ القوم في فهم هذين الأمرين المهمين، وعدم استجلائهم لوجه الحق في هاتين المسألتين الأساسيتين هو الذي شوه وجه الحقيقة الناصعة في هذا الشأن، وعاقهم عن إدراك مغزى الجهاد الإسلامي. بل الحق -والحق أحق أن يتبع- أن هذا الخطأ الأساسي في فهم هاتين المسألتين قد أرخى سدوله على حقيقة الدين الإسلامي بأسره، وقلب الأمر ظهرًا لبطن، وجعل موقف المسلمين من العالم ومسائله المتجددة ومشاكله المتشعبة حرجًا ضيقًا، لا يرضاه الإسلام وتعاليمه الخالدة:
فالنِحلة ( Religion) على حساب الاصطلاح الشائع عندهم، لا يراد بها إلا مجموعة من العقائد والعبارات والشعائر. ولا جرم أن (النِحلة) بهذا المعنى لا تعدو أن تكون مسألة شخصية. فأنت حر فيما تختاره من العقيدة، ولك الخيار في أن تعبد بأي طريق شئت من رضيت به ربًا لنفسك. وإن أبت نفسك إلا التحمس لهذه النحلة والانتصار لعقيدتها فلك أن تخترق الأرض، وتجوب بلاد الله الشاسعة داعيًا إلى عقيدتها، مدافعًا عن كيانها بالحجج والبراهين، مجادلًا من يخالفونك فيها بمرهفات الألسنة وأسنة الأقلام. أما السيف وآلات الحرب والقتال، فما لك ومالها في هذا الشأن؟ أتريد أن تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين بعقيدتك؟ وإن كان الإسلام نِحلة ( Religion) كنِحَل العالم، على حسب الاصطلاح الشائع عندهم كما يزعمون، فالظاهر أنه لا شأن فيها للسيف وأدوات الحرب، كما قالوا. ولو كان موقف الإسلام في نفس الأمر كما زعموا ووصفوا لما كان فيه مساغ للجهاد، ولم يكن من الإسلام في ورد ولا صدر، لكن الأمر على خلاف ذلك كما تعرفه فيما يأتي من البيان، وكذلك كلمة الأمة ( Nation) فما هي إلا عبارة عن طائفة من الناس متوافقة فيما بينها ( Homogeneous Group of Men) اجتمعت وتألفت وامتازت من بين طوائف أخرى لاشتراكها في بعض الأمور الجوهرية. فالطائفة التي تكون (أمة) بهذا المعنى لا يبعثها على استخدام السيف إلا أمران. أما أن يعتدي عليها أحد، ويريد أن يسلبها حقوقها المعروفة وإما أن تحمل هي بنفسها على طائفة أخرى لتنتزع من يدها حقوقها المعروفة. ففي الصورة الأولى منهما لها سعة في الأمر وهي لا تخلو من وازع خلقي يلجئها إلى استخدام السيف والبطش بمن اعتدى عليها. وإن كان بعض المتشدقين بالأمن والسلام لا يبيح ذلك أيضًا. -أما الصورة الثانية- أي الاعتداء على حقوق غيرها والإغارة على الشعوب والأمم من غير ما سبب- فلا يبيحها غير الجبابرة المسيطرين- ( Dictators) حتى إن ساسة الدول الكبرى كبريطانيا وأميركا أيضًا لا يقدرون أن يجترئوا على القول بجوازها.