وأجيال يتقاتلون ويتناحرون فيما بينهم إرضاء لشهواهم الدنيئة وإطفاء لأوار مطامعهم الأشعبية، وتلك هي حربهم الملعونة غير المقدسة ( Unholy War) التي أثاروها على الأمم المستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها، وجاسوا خلال ديارهم يبحثون عن أسواق لبضائعهم وأراض لمستعمراتهم التي يريدون أن يستعمروها، ويستبدوا بمنابع ثروتها دون أصحابها الشرعيين، ويفتشون عن المناجم والمعادن، وعما تغله أرض الله الواسعة من الحاصلات التي يمكن أن تكون غذاء لبطون مصانعهم ومعاملهم. يبحثون عن كل ذلك وقلوبهم كلها جشع وشره إلى المال والجاه. وبين أيديهم الدبابات المدججة، وفوق رؤوسهم الطائرات المحلقة في جو السماء، ووراء ظهورهم مئات الألوف من العساكر المدربة يقطعون على البلاد سبل رزقها، وعلى أهاليها الوادعين طريقهم إلى الحياة الكريمة، ويريدون بذلك أن يهيئوا وقودًا لنيران مطامعم الفاحشة التي لا تزيدها الأيام إلا التهابًا واضطرامًا. فلم تكن حروبهم في (ٍسبيل الله) ، وإنما كانت في سبل شهواتهم الدنيئة وأهوائهم الذميمة.
هذه هي حال الذين يصموننا بالغزو والقتال، الذي سبق لنا من أعمال الفتوح والحروب وقد مضت عليه أحقاب طويلة أما أعمالهم المخزية هذه فلا يزالون يقترفونها ليل نهار بمرأى ومسمع من العالم (المتحضر المتمدن) . وأي بلاد الله يا ترى قد سلمت من عدوانهم وما تخضبت أراضيها بدماء أبنائها الزكية؟ وأية هذه القارات العظيمة من آسية وإفريقية وأمريكا ما ذاقت وبال حروبهم الملعونة؟ .. لكن هؤلاء الدهاة رسموا صورتنا بلباقة منكرة، وأبدأوا وأعادوا في عرضها بشكل هائل بشع، وقد سحب ذيل النسيان على صورتهم الدميمة، حتى لا يكاد يذكرها أحد بجنب الصورة المنكرة التي صوروا بها تاريخنا ومآثر أسلافنا. فما أعظم دهاءهم. وما أبرعهم في التزوير والتمويه ..
أما سذاجتنا وبله رجالنا، فحدث عن البحر ولا حرج. وأي بله أعظم من اغترارنا بالصورة المنكرة التي صوروا بها مآثرنا حتى كدنا نؤمن بصحتها ومطابقتها للحقيقة؟ وما دار بخلدنا أن ننظر إلى الأيدي الأثيمة التي عملت عملها في رسم هذه الصورة المزورة، وأن نبحث عن الأقلام الخفية التي تفننت في تمويهها وزخرفتها. وقد بلغ من اغترارنا بتزويرهم، وانخداعنا بتلك الصورة المموهة أن اعترانا الخجل والندامة، وعدنا نعتذر إلى القوم، فبدل كلام الله ونحرف الكلم عن مواضعه، ونقول لهم:"ما لنا وللقتال، أيها السادة. إنما نحن دعاة مبشرون، ندعو إلى دين الله، دين الأمن والسلام والدعة بالحكمة والموعطة الحسنة، نبلغ كلام الله تبليغ الرهبان والدراويش والصوفية، ونجادل من يعارضنا بالتي هي أحسن، بالخطب والوسائل والمقالات حتى يؤمن من يؤمن بدعوتنا عن بينة. هذه هي دعوتنا لا تزيد ولا تنقص. أما السيف والقتال به فمعاذ الله أن نمت إليه بصلة. اللهم إلا أن يقال: إننا ربما دافعنا عن أنفسنا حينما اعتدى علينا أحد. ذلك أيضًا قد مضت عليه سنون وأعوام طويلة. أما اليوم فقد أظهرنا براءتنا من ذلك أيضًا. ومن أجل ذلك نسخنا الجهاد رسميًا ذلك الجهاد الممقوت الذي يعمل فيه السيف عمله. حتى لا يقلق بالكم ولا يقض عليكم المضجع. فما الجهاد اليوم إلا مواصلة الجهود باللسان والقلم، وليس لنا إلا أن نلعب بمرهفات الألسنة وأسنة الأقلام. أما المدافع والدبابات والرشاشات وغيرها من ألات الحرب واستخدامها، فأنتم أحق بها وأهلها".