الصفحة 247 من 306

وروى ابن جرير بإسناده عن أبي راشد الجراني قال: وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا على تابوت من توابيت الصيارفة، وقد فضل عنها من عظمه يريد الغزو. فقلت له قد أعذر الله إليك. فقال أتت علينا سورة البعوث (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) . وروى كذلك بإسناده عن حيان بن زيد الشرعبي: قال نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان واليًا على حمص قبل الافسوس إلى الجراجمة، فرأيت شيخًا كبيرًا هما قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت إليه فقلت يا عم لقد أعذر الله إليك. قال فرفع حاجبيه. فقال يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا. ألا إنه من يحبه الله يبتليه ثم يعيده فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله عز وجل) .. وبمثل هذا الجد في أخذ كلمات الله انطلق الإسلام في الأرض يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وبمثل هذا الجد يجب أن يأخذ الدعاة هذه الكلمات بجد وصرامة فيفتح عليهم القرآن بما فتح على أهل القرآن.

هذا هو الطريق .. الجهاد في سبيل الله .. والقتال في سبيل الله (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ..

إن الإسلام لا يعرف قتالًا إلا في هذا السبيل، لا يعرف القتال للغنيمة، ولا يعرف القتال للسيطرة، ولا يعرف القتال للمجد الشخصي أو القومي إنه لا يقاتل للاستيلاء على الأرض ولا للاستيلاء على السكان. لا يقاتل ليجد الخامات للصناعات والأسواق للمنتجات أو لرؤوس الأموال يستثمرها في المستعمرات وشبه المستعمرات .. إنه لا يقاتل لمجد شخص. ولا لمجد بيت. ولا لمجد طبقة. ولا لمجد دولة. ولمجد أمة. ولا لمجد جنس .. إنه يقاتل في سبيل الله لإعلاء كلمة الله في الأرض. ولتمكين منهجه في تصريف الحياة، ولتمتيع البشرية بخيرات هذا المنهج وعدله المطلق بين الناس.

وحين يخرج المسلم ليقاتل في سبيل الله بقصد إعلاء كلمة الله وتمكين منهجه في الحياة ثم يقتل يكون شهيدًا. وينال مقام الشهداء عند الله. وحين يخرج لأي هدف غير هذا الهدف لا يسمى شهيدًا ولا ينتظر أجره عند الله بل عند صاحب الهدف الآخر الذي خرج له. والذين يصفونه حينئذ بأنه شهيد يفترون على الله الكذب، ويزكون أنفسهم أو غيرهم بغير ما يزكي به الله الناس افتراء على الله. فليقاتل في سبيل الله .. بهذا التحديد .. من يريدون أن يبيعوا الدنيا ليشتروا بها الآخرة. لذلك إن الله سبحانه يقف الناس على مفرق الطريق. وفي لحظة ترتسم الأهداف وتتضح الخطوط (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) ..

إن الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله لتحقيق منهجه وإقرار شريعته أما الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت لتحقيق مناهج شتى غير منهج الله، وإقرار شرائع شتى غير شريعة الله وإقامة قيم شتى غير التي أذن بها الله .. ويقف الذين آمنوا مستشفعين إلى ولاية الله وحمايته ورعايته .. ويقف الذين كفروا مستندين إلى ولاية الشيطان بشتى راياتهم وشتى مناهجهم وشتى شرائعهم وشتى قيمهم وموازينهم .. فكلهم أولياء الشيطان (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) . وإن المسلمين يقفون على أرض صلبة مسندين ظهورهم إلى ركن شديد، يخوضون المعركة ويواجهون قومًا أهل باطل. ومن هذا التصور الحقيقي انبثقت تلك الخوارق الكثيرة التي حفظها تاريخ الجهاد في سبيل الله والتي تناثرت على مدى التاريخ في أجيال كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت