الصفحة 246 من 306

إن النفرة للجهاد في سبيل الله انطلاق من قيد الأرض وارتفاع على ثقلة اللحم والدم وتحقيق للمعنى العلوي في الإنسان، وتطلع إلى الخلود الممتد وخلاص من الفناء المحدود (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) . وما يحجم ذو عقيدة في الله عن النفرة للجهاد في سبيله إلا وفي هذه العقيدة دخل، وفي إيمان صاحبها بها وهن. لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من مات ولم يغز، ولم يُحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق) . فالنفاق وهو دخل في العقيدة يعوقها عن الصحة والكمال -هو الذي يقعد بمن يزعم أنه على عقيدة، عن الجهاد في سبيل الله خشية الموت أو الفقر. والآجال بيد الله والرزق من عند الله وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.

ويتوجه الله عز وجل بالتهديد (إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .. إنه خطاب عام في مدلوله لكل ذوي عقيدة في الله والعذاب الذي يتهددهم ليس عذاب الآخرة وحده، فهو كذلك عذاب الدنيا، عذاب الذلة التي تصيب القاعدين عن الجهاد والكفاح والغلبة عليهم للأعداء، وهم مع ذلك كله يخسرون من النفوس والأموال أضعاف ما يخسرون في الكفاح والجهاد، ويقدمون على مذبح الذل أضعاف منها ما تتطلب منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء. وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذل ..

وإن الاستعلاء على ثقلة الأرض وعلى ضعف النفس إثبات للوجود الإنساني الكريم، فهي حياة بالمعنى العلوي للحياة. وإن التثاقل إلى الأرض والاستسلام للخوف إعدام للوجود الإنساني الكريم فهو فناء في ميزان الله وفي حساب الروح المميزة للإنسان ..

لذلك يحث الله عز وجل المؤمنين عل هذه الحياة الكريمة المتمثلة في الجهاد في سبيله والاستشهاد في سبيله (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) ..

لقد أدرك المؤمنون المخلصون هذا الخير فنفروا والعوائق في طريقهم والأعذار حاضرة لو أرادوا التمسك بالأعذار ففتح الله عليهم القلوب والأرضين، وأعز بهم كلمة الله وأعزهم بكلمة الله وحقق على أيديهم ما يعد خارقة في تاريخ الفتوح. قرأ أبو طلحة رضي الله عنه سورة براءة فأتى على هذه الآية فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخًا وشبابًا، جهزوني يا بني. فقال بنوه يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك. فأبى، فركب البحر فمات. فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير فدفنوه بها).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت