الصفحة 245 من 306

إن الجهاد في سبيل الله بيعة معقودة بعنق كل مؤمن .. كل مؤمن على الإطلاق منذ كانت الرسل ومنذ كان دين الله .. إنها السنة الجارية التي لا تستقيم هذه الحياة بدونها ولا تصلح الحياة بتركها (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) .

إن الحق لا بد أن ينطلق في طريقه. ولا بد أن يقف له الباطل في الطريق. بل لا بد أن يأخذ عليه الطريق. إن دين الله لا بد أن ينطلق لتحرير البشر من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده. ولا بد أن يقف له الطاغوت في الطريق .. بل لا بد له أن يقطع عليه الطريق، ولا بد لدين الله أن ينطلق في الأرض كلها لتحرير الإنسان كله. ولا بد للحق أن يمضي في طريقه، ولا ينثني عنه ليدع للباطل طريقه. وما دام في الأرض كفر. وما دام في الأرض باطل. وما دامت في الأرض عبودية لغير الله تذل كرامة الإنسان. فالجهاد في سبيل الله ماض والبيعة في عنق كل مؤمن تطالبه بالوفاء وإلا فليس بالإيمان.

وإن المجاهد في سبيل الله أقوى من قيود الأرض لأنه أرفع من ثقلة الأرض، والإيمان ينتصر على الألم، والعقيدة تنتصر على الحياة .. إن الجهاد في سبيل الله بيعة معقودة بعنق كل مؤمن .. ولكن الجهاد في سبيل الله ليس مجرد اندفاعة للقتال، إنما هو قمة تقوم على قاعدة من الإيمان المتمثلة في مشاعر وشعائر وأخلاق وأعمال: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ) .. هذه هي قاعدة القمة السامقة، صفاتها ومميزاتها. توبة ترد العبد إلى الله وتكف عن الذنب وتدفعه إلى العمل الصالح، وعبادته تصله بالله، وتجعل الله معبوده وغايته ووجهته، وحمد لله على السراء والضراء نتيجة الاستسلام الكامل لله، والثقة المطلقة برحمته وعدله، وسياحة في ملكوت الله مع آيات الله الناطقة في الكون الدالة على الحكمة والحق في تصميم الخلق، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر يتجاوز صلاح الذات إلى إصلاح العباد والحياة، وحفظ لحدود الله يرد عنها العادين والمضيعين ويصونها من التهجم والانتهاك .. (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) ..

إنه تعبير شامل جامع دقيق يصور تكليفًا ضخمًا يحتاج إلى تعبئة وذخيرة وإعداد. فالجهاد في سبيل الله يشمل جهاد الأعداء وجهاد النفس وجهاد الشر والفساد كلها سواء .. هذا هو الطريق .. ليست الحياة لهوًا ولعبًا، وليست الحياة أكلا كما تأكل الأنعام ومتاعًا. وليست الحياة سلامة ذليلة وراحة بليدة ورضي بالسلم الرخيص .. إنما الحياة هي هذه .. كفاح في سبيل الحق وجهاد في سبيل الخير وانتصار لإعلاء كلمة الله أو استشهاد في سبيل الله ثم الجنة والرضوان ..

هذه هي الحياة التي يدعونها إليها الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) والحياة التي يدعونا إليها الله هي الجهاد في سبيله وعدم التثاقل عن النفرة في سبيل الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ) .. إنها ثقلة الأرض ومطامع الأرض وتصورات الأرض، ثقلة الخوف على الحياة، والخوف على المال، والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع. ثقلة الدعة والراحة والاستقرار. ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب .. ثقلة اللحم والدم والتراب. إن هذا التعبير القرآني (اثَّاقَلْتُمْ) تمثل الجسم المسترخي الثقيل يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم في ثقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت