(إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) .. هذا هو الطريق .. يرسمه الله عز وجل .. إنه نص رهيب، إنه يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط المؤمنين بالله، وعن حقيقة البيعة التي أعطوها بإسلامهم طوال الحياة. فمن بايع هذه البيعة ووفّى بها فهو المؤمن الحق الذي ينطبق عليه وصف المؤمن وتتمثل فيه حقيقة الإيمان، وإلا فهي دعوى تحتاج إلى التصديق والتحقيق. وحقيقة هذه البيعة أن الله سبحانه قد استخلص لنفسه أنفس المؤمنين وأموالهم. فلم يعد لهم منها شيء. لم يعد لهم أن يستبقوا منها بقية لا ينفقونها في سبيله. لم يعد لهم الخيار في أن يبذلوا أو يمسكوا كلا .. إنها صفقة مشتراة. لشاريها أن يتصرف بها كما يشاء، وفق ما يفرض ووفق ما يحدد، وليس للبائع فيها من شيء سوى أن يمضي في الطريق المرسوم لا يتلفت ولا يتخير ولا يناقش ولا يجادل، ولا يقول إلا الطاعة والاستسلام .. والثمن هو الجنة .. والطريق هو الجهاد والقتل والقتال والنهاية هي النصر أو الاستشهاد (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .. من بايع على هذا. من أمضى عقد الصفقة .. من ارتضى الثمن ووفى .. فهو المؤمن .. هذا هو الطريق .. فالمؤمنون هم الذين اشترى الله منهم فباعوا، ومن رحمة الله أن جعل للصفقة ثمنًا، وإلا فهو راهب الأنفس والأموال وهو مالك الأنفس والأموال، ولكنه كرم هذا الإنسان فجعله مريدًا. وكرمه فجعل له أن يعقد العقود ويمضيها حتى مع الله، وكرمه فقيده بعقود وعهود، وجعل وفاءه بها مقياس إنسانيته الكريمة، ونقضه لها مقياس ارتكاسه إلى عالم البهيمة، شر البهيمة (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ) .. كما جعل مناط الحساب والجزاء هو النقض أو الوفاء. وإنها لبيعة رهيبة بلا شك، ولكنها في عنق كل مؤمن لا تسقط عنه إلا بسقوط إيمانه. ومن هنا يجب أن نستشعر الرهبة بحقيقة الإيمان.
عونك اللهم فإن العقد رهيب. وهؤلاء الذين يزعمون أنفسهم مسلمين في مشارق الأرض ومغاربها قاعدون. لا يجاهدون لتقرير ألوهية الله في الأرض وطرد الطواغيت الغاصبة لحقوق الربوبية وخصائصها في حياة العباد. ولا يقتلون ولا يُقتلون. ولا يجاهدون جهادًا ما دون القتل والقتال.
ولقد كانت هذه الكلمات تطرق قلوب مستمعيها الأولين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتتحول من فورها في القلوب المؤمنة إلى واقع من واقع حياتهم، ولم تكن مجرد معان يتملونها بأذهانهم أو يحسونها مجردة في مشاعرهم. كانوا يتلقونها للعمل المباشر لتحويلها إلى حركة منظورة لا إلى صورة متألمة. هكذا أدركها عبد الله بن رواحة رضي الله عنه في بيعة العقبة الثانية. قال محمد بن كعب القرظي وغيره. قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم (يعني ليلة العقبة) اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا. وأشترط لنفسي أن تمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم) قالوا: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال الجنة. قالوا: ربح البيع لا نَقيل ولا نستقيل) ..