الصفحة 242 من 306

إن أشد الناس حماسة واندفاعا وتهورًا قد يكونون هم أشد الناس جزعًا وانهيارا وهزيمة عندما يجد الجد وتقع الواقعة، بل إن هذه قد تكون القاعدة. ذلك أن الاندفاع والتهور والحماسة الفائقة غالبًا ما تكون منبعثة من عدم التقدير لحقيقة التكاليف، لا عن شجاعة واحتمال وإصرار، كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة الاحتمال. قلة احتمال الضيق والأذى والهزيمة، فتدفعهم قلة الاحتمال إلى طلب الحركة والدفع والانتصار بأي شكل دون تقدير لتكاليف الحركة والدفع والانتصار حتى إذا ووجهوا بهذا التكاليف كانت أثقل مما قدروا، وأشق مما تصوروا، فكانوا أول الصف جزعا ونكولا وانهيارا، على حين يثبت أولئك الذين كانوا يمسكون أنفسهم ويحتملون الضيق والأذى بعض الوقت ويعدون للأمر عدته ويعرفون حقيقة تكاليف الحركة ومدى احتمال النفوس لهذه التكاليف فيصبرون ويتمهلون ويعدون للأمر عدته. والمتهورون المندفعون المتحمسون يحسبونهم إذ ذاك ضعافا ولا يعجبهم تمهلهم ووزنهم للأمور. وفي المعركة يتبين أي الفريقين أكثر احتمالا وأي الفريقين أبعد نظرا كذلك. وهذا ما يصوره لنا الله تبارك وتعالى: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) ..

إن الإيمان الذي لم ينضج بعد، والتصور الذي لم تتضح معالمه ولم يتبين صاحبه وظيفة هذا الدين في الأرض، وأنها أكبر من حماية الأشخاص وحماية الأقوام وحماية الأوطان. إذ أنها في صميمها إقرار منهج الله في الأرض وإقامة نظامه العادل في ربوع العالم، وإنشاء قوة عليا في هذه الأرض ذات سلطان يمنع أن تغلق الحدود دون دعوة الله ويمنع أن يحال بين الأفراد والاستماع للدعوة في أي مكان على سطح الأرض، ويمنع أن يفتن أحد من الأفراد عن دينه بأي لون من ألوان الفتنة ..

الإيمان الذي لم ينضج بعد ليبلغ بالنفس إلى إخراج ذاتها من الأمر، والاستماع فقط إلى أمر الله واعتباره هو العلة والمعلول والسبب والمسبب والكلمة الأخيرة، والتصور الذي لم تتضح معالمه بعد ليعرف المؤمن مهمة هذا الدين في الأرض ومهمته هو -المؤمن- بوصفه قدرا من قدر الله ينفذ به الله ما يشاؤه في هذه الحياة، لا جرم ينشأ عنه مثل هذا الموقف فيلدغه الأذى فلا يطيقه ولا يطيق الهوان وهو ذو عزة .. ووجود هذه الطائفة في الصف المسلم ينشأ فيه حالة من الخلخلة، وينشأ فيه حالة من عدم التناسق بين هذه الطائفة الجزوع الهلوع وبين الرجال المؤمنين ذوي القلوب الثابتة المطمئنة المستقبلة لتكاليف الجهاد على كل ما فيها من مشقة بالطمأنينة والثقة والعزم والحماسة أيضًا، ولكن في موضعها المناسب. فالحماسة في تنفيذ الأمر حين يصدر هي الحماسة الحقيقية. أما الحماسة قبل الأمر فقد تكون مجرد اندفاع وتهور يتبخر عند مواجهة الخطر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت