الصفحة 241 من 306

وهذه القوى تستغل ضعف النفوس عن البقاء في هذا المستوى الإيماني وتكاليفه، كما تستغل جهل العقول وموروثات الأجيال لتعارض هذا المنهج وتقف في طريقه. والشر عارم والباطل متبجح والشيطان لئيم. ومن ثم يتعين على حملة الإيمان وحراس المنهج أن يكونوا أقوياء ليغلبوا عملاء الشر وأعوان الشيطان. أقوياء في أخلاقهم وأقوياء في قتال خصومهم على السواء. ويتعين عليهم أن يقاتلوا عندما يصبح القتال هو الأداة الوحيدة لضمان حرية الدعوة للمنهج الجديد وحرية العمل وفق نظامه المرسوم. وهم يقاتلون في سبيل الله .. لا في سبيل ذواتهم أو عصبيتهم من أي لون .. في سبيل الله وكلمة الله هي التعبير عن إرادته. ولم يكن بد أن يقاومه أفراد وأن تقاومه طبقات وأن تقاومه دول ولم يكن بد كذلك أن يمضي الإسلام في وجه هذه المقاومة، ولم يكن بد أن يكتب الجهاد على المسلمين لنصرة هذا المنهج وتحقيق كلمة الله في الأرض. لهذا أحب الله سبحانه الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ) .. إنه القتال .. إنه الجهاد للعقيدة لحمايتها من الحصار وحمايتها من الفتنة وحماية منهجها وشريعتها في الحياة وإقرار رايتها في الأرض بحيث يرهبها من يهم بالاعتداء عليها قبل الاعتداء. وبحيث يلجأ إليها كل راغب فيها لا يخشى قوة أخرى في الأرض تتعرض له أو تفتنه أو تمنعه (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) .. وغاية القتال في الإسلام هي ضمانة ألا يفتن الناس عن دين الله وألا يصرفوا عنه بالقوة أو ما يشبهها كقوة الوضع الذي يعيشون فيه بوجه عام وتسلط عليهم فيه المغريات والمضللات والمفسدات. وذلك بأن يعز دين الله ويقوى جانبه ويهابه أعداؤه، فلا يجرؤ على التعرض للناس بالأذى والفتنة .. والجماعة المسلمة مكلفة إذن أن تظل تقاتل حتى تقضي على هذه القوى المعتدية الظالمة، وحتى تصبح الغلبة والمنعة لدين الله.

والجهاد كما يحتاج للرجال يحتاج للمال. ولقد كان المجاهد المسلم يجهز نفسه بعدة القتال ومركب القتال وزاد القتال، لم تكن هناك رواتب يتناولها القادة والجند، إنما كان هناك تطوع بالنفس وتطوع بالمال وهذا ما تصنعه العقيدة حين تقوم عليها النظم. إنها لا تحتاج حينئذ أن تنفق لتحمي نفسها من أهلها أو من أعدائها، إنما يتقدم الجند ويتقدم القادة متطوعين ينفقون هم عليها. ولكن كثيرا من فقراء المسلمين الراغبين في الجهاد والذود عن منهج الله وراية العقيدة لا يجدون ما يتجهزون به، وهذا ما حدث لفقراء المسلمين الذين جاءوا للرسول يطلبون منه أن يحملهم إلى ميدان المعركة البعيد الذي لا يبلغ عليه الأقدام فإذا لم يجد ما يحملهم عليه (تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) من أجل هذا كثرت التوجيهات القرآنية والنبوية إلى الإنفاق في سبيل الله. وصاحبت الدعوة إلى الجهاد، دعوة إلى الإنفاق في معظم المواضع (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) . والإمساك عن الإنفاق في سبيل الله تهلكة للنفس بالشح وتهلكة للجماعة بالعجز والضعف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت