إن هذه اللمسة الربانية للقلب البشري لتفتح أمامه عالما آخر غير العالم المحدود الذي تبصره عيناه. وتبرز أمامه عوامل أخرى تحمل في صميم الكون وتقلب الأمور وترتب العواقب على غير ما كان يظنه ويتمناه .. وإنها لتتركه حين يستجيب لها طبعا في يد القدر ويعمل ويطمع ويرجو ويخاف. ولكن يرد الأمر كله لليد الحكيمة والعلم الشامل. وهو راض قرير .. إنه الدخول في السلم من بابه الواسع، فما تستشعر النفس حقيقة السلام إلا حين نستيقن أن الخيرة فيما اختاره الله. وأن الخير في طاعة الله دون محاولة منها أن تجرب ربها وأن تطلب منه البرهان .. إن الإذعان الواثق والرجاء الهادئ والسعي المطمئن .. هي أبواب السلم الذي يدعو الله عباده الذين آمنوا ليدخلوا فيه كافة، وهو يقودهم إليه بهذا المنهج العجيب العميق البسيط في يسر وفي هوادة وفي رضاء يقودهم بهذا المنهج إلى السلم حتى وهو يكلفهم فريضة القتال. فالسلم الحقيقي هو سلم الروح والضمير حتى في ساحة القتال ..
وهكذا نرى أن كل إنسان في تجاربه الخاصة يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم، ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم. وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته ثم يتبين له بعد فترة أنه كان انقاذا من الله أن فوت عليه هذا المطلوب في حينه. وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثا يكاد يتقطع لفظاعتها ثم ينظر بعد فترة، فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل. إن الإنسان لا يعلم والله وحده يعلم، فماذا على الإنسان لو يستسلم .. إن هذا هو المنهج التربوي الذي يأخذ القرآن به النفس البشرية لتؤمن وتسلم وتستسلم في أمر الغيب المخبوء بعد أن تعمل ما تستطيع في محيط السعي المكشوف.
والإسلام لا يشتهي القتال، ولا يريده حبا فيه. ولكنه يفرضه لأن الواقع يحتمه، ولأن الهدف الذي وراءه كبير. فالإسلام يواجه البشرية بالمنهج الإلهي في صورته الأخيرة المستقرة. وهذا المنهج ولو أنه يلبي الفطرة المستقيمة إلا أنه يكلف النفوس جهدا لتسمو إلى مستواه، ولتستقر على هذا المستوى الرفيع. وهناك قوى كثيرة في هذه الأرض لا تحب لهذا المنهج أن يستقر لأنه يسلبها كثيرا من الامتيازات التي تستند إلى قيم باطلة زائفة يحاربها هذا المنهج ويقضي عليها حين يستقر في حياة البشر.