وحين يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيلاء المطلق، يصدع بالحق في وجه الباطل بقوة وصرامة وفي استقامة لا عوج فيها، ولا التواء، ولا لبس فيها ولا غموض مهما كان الباطل منتفشا (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا) ..
وهنا يعلن الطاغوت ذلك التوعد الوحشي الفظيع (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) .. إنه التعذيب والتشويه والتنكيل .. وسيلة الطواغيت في مواجهة الحق، الذي لا يملكون دفعه بالحجة والبرهان .. وعدة الباطل في وجه الحق الصريح .. ولكن النفس البشرية حين تستعلن فيها حقيقة الإيمان، تستعلي على قوة الأرض، وتستهين ببأس الطغاة وتنتصر فيها العقيدة على الحياة، وتحتقر الفناء الزائل إلى جوار الخلود المقيم. إنها لا تقف لتسأل. ماذا ستأخذ وماذا ستدع؟ ماذا ستقبض وماذا ستدفع؟ وماذا ستخسر وماذا ستكسب؟ وماذا ستلقي في الطريق من صعاب بأشواك وتضحيات؟ لأن الأفق المشرق الوضيء أمامها هناك، فهي لا تنظر إلى شيء في الطريق .. (قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ، وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) .. إنه الإيمان الذي لا يفزع ولا يتزعزع، كما أنه لا يخضع أو يخنع. الإيمان الذي يطمئن إلى النهاية فيرضاها ويستيقن من الرجعة إلى ربه فيطمئن إلى جواره .. والذي يدرك طبيعة المعركة بينه وبين الطاغوت .. وأنها معركة العقيدة في الصميم. لا يداهن ولا يناور .. ولا يرجو الصفح والعفو من عدو، لن يقبل منه إلا ترك العقيدة. لأنه إنما يحاربه ويطارده على العقيدة (وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا) ..
والذي يعرف أين يتجه في المعركة، وإلى من يتجه، لا يطلب من خصمه السلامة والعافية. إنما يطلب من ربه الصبر على الفتنة والوفاة على الإسلام .. ويقف الطغيان عاجزا أمام الإيمان، وأمام الوعي وأمام الاطمئنان .. يقف الطغيان عاجزا أمام القلوب التي خيل إليه أنه يملك الولاية عليها كما يملك الولاية على الرقاب. ويملك التصرف فيها كما يملك التصرف في الأجسام. فإذا هي مستعصية عليه، لأنها من أمر الله. وماذا يملك الطغيان إذا رغبت القلوب في جوار الله؟ وماذا يملك الجبروت إذا اعتصمت القلوب بالله؟ وماذا يملك السلطان إذا رغبت القلوب عما يملك السلطان .. إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية بانتصار العقيدة على الحياة، وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار الإنسان على الشيطان. إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية، بإعلان ميلاد الحرية الحقيقية. فما الحرية إلا الاستعلاء بالعقيدة على جبروت المتجبرين وطغيان الطغاة. والاستهانة بالقوة المادية التي تملك أن تتسلط على الأجسام والرقاب وتعجز عن استذلال القلوب والأرواح. ومتى عجزت القوة المادية عن استذلال القلوب فقد ولدت الحرية الحقيقية في هذه القلوب.
وإن الحق إذا مسّ القلوب يحولها تحويلا، فإذا هزة عنيفة ترج رجا وتخض خضا حتى تصل إلى أعماق النفوس وقرارة القلوب فتزيل عنها ركام الضلال وتجعلها صافية حية خاشعة للحق عامرة بالإيمان في لحظات قصار. والحماقة التي يرتكبها كل طاغية حينما يحس بالخطر على عرشه أو شخصه يرتكبها في عنف وغلظة وبشاعة فلا تحرج من قلب أو ضمير. وإنها لكلمة فرعون الطاغية المتجبر (لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) ..
فما تكون كلمة الفئة المؤمنة التي رأت النور ..