وإن النفس المؤمنة لتصطدم في الحياة بشدائد تزلزل، ونوازل تزعزع. فهي تثبت فلا تضطرب، وتثق فلا ترتاب وتظل مستقيمة موصولة .. لذلك كثيرًا ما ينبه الله القلوب المؤمنة إلى مزالق الطريق، وأخطار الرحلة لتعزم أمرها وتحتسب وتستقيم ولا ترتاب عندما يدلهم الأفق ويظلم الجو وتناوحها العواصف والرياح .. فالإيمان قوة دافعة وطاقة مجمعة. فما تكاد تكون حقيقة تستقر في القلب حتى تتحرك لتعمل ولتحقق ذاتها في الواقع ولتوائم بين صورتها المضمرة وصورتها الظاهرة، كما أنها تستولي على مصادر الحركة في الكائن البشري كلها وتدفعها في الطريق. ذلك سر قوة العقيدة في النفس، وسر قوة النفس في العقيدة. سر تلك الخوارق التي صنعتها العقيدة في الأرض، وما تزال كل يوم تصنعها. الخوارق التي تغير وجه الحياة من يوم إلى يوم وتدفع بالفرد وتدفع بالجماعة إلى التضحية بالعمر الفاني المحدود في سبيل الحياة الكبرى التي لا تفنى، وتقف بالفرد القليل الضئيل أمام قوى السلطان، وقوى المال، وقوى الحديد والنار. فإذا هي كلها تنهزم أمام العقيدة الدافعة في روح فرد مؤمن. وما هو الفرد الفاني المحدود الذي هزم تلك القوى جميعًا. ولكنها القوى الكبرى الهائلة التي استمدت منها تلك الروح، والينبوع المتفجر الذي لا ينضب ولا ينحسر ولا يضعف.