للإيمان حقيقة لا بد أن يجدها الإنسان في نفسه، وإنه ليس الإيمان دعوى، ولا كلمات لسان وهو ليس بالتمني، فلا بد للإيمان من صورة عملية واقعية يتجلى فيها ليثبت وجوده، ويترجم عن حقيقته وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل. إن حقيقة الإيمان يجب أن ينظر إليها بالجد الواجب. فلا تتميع حتى تصبح كلمة يقولها اللسان، ومن ورائها واقع يشهد شهادة ظاهرة بعكس ما يقوله اللسان.(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) .
إن المنهج الإسلامي منهج عقيدة، وعمل يصدق العقيدة، فمحك الصدق هو العمل يراه الله ورسوله والمؤمنون .. إن الإسلام منهج حياة واقعية لا تكفي فيه المشاعر والنوايا ما لم تتحول إلى حركة واقعية. والنية الطيبة دلالتها من الإيمان فلها مكانها. ولكنها هي بذاتها ليست مناط الحكم والجزاء. إنما النية تحسب مع العمل فتحدد قيمة العمل. وهذا معنى الحديث (إنما الأعمال بالنيات) .. الأعمال لا مجرد النيات ..
إن طبيعة هذه العقيدة تقتضي ألا يظل الإيمان في القلب حقيقة مجردة راكدة معطلة مكنونة، إنما هو حقيقة حية، فاعلة متحركة ما تكاد تستقر في القلب ويتم تمامها حتى تتحرك لتحقق ذاتها في العمل والحركة والسلوك ولتترجم عن طبيعتها بالآثار البارزة في عالم الواقع المنبثة عما هو كائن في عالم الضمير والإيمان تصديق القلب بالله وبرسوله. التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب .. التصديق المطمئن الثابت المستيقن الذي لا يتزعزع ولا يضطرب، ولا تهجس فيه الهواجس، ولا يتلجلج فيه القلب والشعور (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) . الإيمان الذي ينبثق منه الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله .. فالقلب متى تذوق حلاوة هذا الإيمان واطمأن إليه وثبت عليه. لا بد مندفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب. في واقع الحياة. في دنيا الناس. يريد أن يوحد بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة. ولا يطيق الصبر على المفارقة بين الصورة الإيمانية في حسه، والصورة الواقعية من حوله، لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة. ومن هنا هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن. يريد به أن يحقق الصورة الوضيئة التي في قلبه ليراها ممثلة في واقع الحياة والناس. والخصومة بين المؤمن وبين الحياة الجاهلية من حوله خصومة ذاتية ناشئة من عدم استطاعته حياة مزدوجة بين تصوره الإيماني، وواقعه العملي، وعدم استطاعته كذلك التنازل عن تصوره الإيماني الكامل الجميل المستقيم في سبيل واقعه العملي الناقص الشائن المنحرف .. فلا بد من حرب بينه وبين الجاهلية من حوله حتى تنثني هذه الجاهلية إلى التصور الإيماني والحياة الإيمانية (أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) .. الصادقون في عقيدتهم حين يقولون إنهم مؤمنون. فإذا لم تتحقق تلك المشاعر في القلب، ولم تتحقق آثارها في واقع الحياة، فالإيمان لا يتحقق، والصدق في العقيدة وفي ادعائها لا يكون. إن طبيعة هذه العقيدة تقتضي ألا يظل الإيمان في القلب حقيقة مجردة راكدة معطلة مكنونة ..