وهذا التوازن بين الاستسلام المطلق لقدر الله والعمل الجاهد بكل ما في الطاقة، والوقوف المطمئن عندما يستطيعون. هذا التوازن هو السمة التي طبعت حياة تلك المجموعة الأولى وميزتها، وهي التي أهلتها لحمل أمانة هذه العقيدة الضخمة التي تنوء بالجبال. واستقرار ذلك المقوم الأول في أعماق الضمائر هو الذي كفل لتلك الجماعة الأولى تحقيق تلك الخوارق التي حققتها في حياتها الخاصة وفي حياة المجتمع الإنساني إذ ذاك. وهو الذي جعل خطواتها وحركاتها تتناسق مع دورة الأفلاك وخطوات الزمان، ولا تحتك بها أو تصطدم، فتتعوق أو تبطئ نتيجة الاحتكاك والاصطدام وهو الذي بارك تلك الجهود، فإذا هي تثمر ذلك الثمر الحلو الكثير العظيم في فترة قصيرة من الزمان. ولقد كان ذلك التحول في نفوسهم بحيث تستقيم حركتها مع حركة الوجود وفق قدر الله المصرف لهذا الوجود.
ولن يؤتى الجهد كامل ثماره إلا حين يستقيم القلب على هدى الله بمعناه، وتستقيم حركة الفرد مع دورة الوجود. ويطمئن الضمير إلى قدر الله الشامل، الذي لا يكون في الوجود أمر إلا وفق مقتضاه وهكذا يقرر الله تبارك وتعالى في قوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) يقرر الكلية الأساسية في منهج الإسلام.