إنها كلمة القلب الذي وجد الله. فلم يعد يحفل ما يفقد بعد هذا الوجدان. القلب الذي اتصل بالله فذاق طعم العزة فلم يعد يحفل بالطغيان. القلب الذي يرجو الآخرة فلا يهمه من أمر هذه الدنيا قليل ولا كثير .. (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ) لا ضير في تقطيع الأيدي والأرجل، لا ضير في التصلب والعذاب، لا ضير في الموت والاستشهاد .. لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون، وليكن في هذه الأرض ما يكون .. يا لله .. يا لروعة الإيمان إذ يشرق في الضمائر، وإذ يفيض على الأرواح، وإذ يسكب الطمأنينة في النفوس، وإذ يرتفع بسلالة الطين إلى أعلى عليين، وإذ يملأ القلوب بالغنى والذخر والوفر فإذا كل ما في الأرض تافه حقير زهيد.
وإنه لموقف حاسم في تاريخ البشرية بإعلان إفلاس المادية فهذه القلة التي كانت منذ لحظة تسأل فرعون الأجر على الفوز، وتمنى بالقرب من السلطان .. هي ذاتها التي تستعلي على فرعون .. وتستهين بالتهديد والوعيد، وتقبل صابرة محتسبة على التنكيل والتصلب. وما تغير في حياتها شيء .. وما تغير من حولها شيء -في عالم المادة- إنما وقعت اللمسة الخفية التي تسلك الكوكب المفرد في الدورة الكبرى. وتجمع الذرة التائهة إلى المحور الثابت. وتصل الفرد الفاني بقوة الأزل والأبد وقعت اللمسة التي تحول الإبرة فليتقط القلب إيقاعات القدرة، ويتسمع الضمير أصداء الهداية وتتلقى البصيرة إشراقات النور .. وقعت اللمسة التي لا تنتظر أي تغير في الواقع المادي، ولكنها هي تُغير الواقع المادي، وترفع الإنسان في عالم الواقع إلى الآفاق التي لم يكن يطمح إليها الخيال.
إن لمسة الإيمان في القلوب التي كانت منذ لحظة تعنو لفرعون، وتعد القربى منه مغنما يتسابق إليه المتسابقون. فإذا هي بعد لحظة تواجهه في قوة، وترخص ملكه وزخرفه وجاهه وسلطانه (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا) فهي علينا أعز وهو جلّ شأنه أكبر وأعلى (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ) ودونك ما تملكه لنا في الأرض (إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) فلسلطانك مقيد بها، وما لك من سلطان علينا في غيرها. وما أقصر الحياة الدنيا، وما أهون الحياة الدنيا، وما تملكه لنا من عذاب أيسر أن يخشاه قلب يتصل بالله، ويأمل في الحياة الخالدة أبدا (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا .. ) وهزأت القلوب المؤمنة بتهديد الطغيان الجائر، وواجهته بكلمة الإيمان القوية. وباستعلاء الإيمان الواثق. وبتحذير الإيمان الناصع، وبرجاء الإيمان العميق .. ومضى هذا المشهد في تاريخ البشرية إعلانا لحرية القلب البشري باستعلائه على قيود الأرض، وسلطان الأرض، وعلى الطمع في المثوبة والخوف من السلطان. وما يملك القلب البشري أن يجهر بهذا الإعلان إلا في ظلال الإيمان. إنه مشهد انتصار الحق والإيمان في واقع الحياة المشهود بعد انتصارهما في عالم الفكرة والعقيدة.