إن هناك أجلًا مكتوبًا لا يستقدم ولا يستأخر وإن هناك مضجعًا مقسومًا لا بد أن يجيء إليه صاحبه فيضطجع فيه .. والله عز وجل يريد أن يكشف الفارق الأساسي في تصور صاحب العقيدة وتصور المحروم منها للسنن التي تسير عليها الحياة كلها وأحداثها: سراؤها وضراؤها. إن صاحب العقيدة مدرك لسنن الله، متعرف إلى مشيئة الله مطمئن إلى قدر الله. إنه يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، وإن ما أصابه لم يكن ليخطئه وإن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ومن ثم لا يتلقى الضراء بالجزع ولا يتلقى السراء بالزهو ولا تطير نفسه لهذه أو تلك. ولا يتحسر على أنه لم يصنع كذا ليتقي كذا أو ليستجلب كذا بعد وقوع الأمر وانتهائه. وإنما صاحب العقيدة كل ما يقع له يتلقاه بالرضى والطمأنينة والتسليم موقنًا أنه وقع وفقًا لقدر الله وتدبيره وحكمته. وإنه لم يكن بد أن يقع كما وقع. ولو أنه هو قدّم أسبابه بفعله. توازن بين العمل والتسليم والإيجابية والتوكل. يستقيم عليه الخطو ويستريح عليه الضمير فأما الذي يفرغ قلبه من العقيدة في الله على هذه الصورة المستقيمة فهو أبدًا مستطار، أبدًا في قلق. في (لو) و (لولا) و (يا ليت) و (أسفاه) . والله يحذر المؤمنين في كل زمان وفي كل مكان في تربية لهم أن لا يكونوا كالذين كفروا أولئك الذين تصيبهم الحسرات كلما مات لهم قريب في ثنايا المعركة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) . يقول الإنسان لفساد تصوره لحقيقة ما يجري في الكون ولحقيقة القوة الفاعلة في كل ما يجري. فهو لا يرى إلا الأسباب الظاهرة والملابسات السطحية بسبب انقطاعه عن الله، والله بيده إعطاء الحياة وبيده استرداد ما أعطى في الموعد المضروب والأجل المرسوم سواء كان الناس في بيوتهم وبين أهلهم أو في ميادين الكفاح التي تتطلبه العقيدة (وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) لذلك يجب أن تستقر في القلوب حقيقة الموت وحقيقة قدر الله، وبلك تطمئن القلوب إلى ما كان من ابتلاء جرى به القدر. وإلى ما وراء القدر من حكمة، وما وراء الابتلاء من جزاء ..
إن الموت يصيب المجاهد والقاعد والشجاع والجبان. ولا يرده حرص ولا حذر، ولايؤجله جبن ولا قعود. والواقع هو البرهان الذي لا يقبل المراء. وهذا الواقع هو الذي يبينه القرآن فيفضح النفوس المريضة بالنفاق حين يقول المنافقون للمؤمنين: (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) وبذلك تستريح القلوب المؤمنة على صدر هذه الحقيقة الثابتة. فيجب أن نكون مستسلمين لله. ثقة وطاعة وطمأنينة ورضى وتسليم .. وتنفيذ. الاستسلام الواعي المتعقل. القاصد المريد. العارف بما يفعل. المطمئن بما يكون. راضيًا هادئًا مستبشرًا. لا تتلجلج النفس في تحقيق إرادة الله عند أول إشارة وأول توجيه. ولا تستبقي لنفسها في نفسها شيئًا. ثم لتعرف أن ربها لا يريد أن يعذبها بالابتلاء، ولا أن يؤذيها بالبلاء. إنما يريد أن تأتيه طائعة ملبية. وافية مؤدية. مستسلمة لا تقدم بين يديه ولا تتألى عليه ..