وإن التصور الصحيح للعلاقة بين الموت والأجل المضروب رغم كل استعداد واحتياط أمر آخر يجب أن يطاع وله حكمته الظاهرة والخفية ووراءه تدبير الله، توازن واعتدال، وتناسق بين جميع الأطراف. هذا هو الإسلام وهذا هو منهج التربية الإسلامي .. فقدر الله هو المسيطر على الأحداث والمصائر، يدفعها في الطريق المرسوم وينتهي بها إلى النهاية المحتومة، والموت أو القتل قدر لا مفر من لقائه في موعده لا يستقدم لحظة ولا يستأخر (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ) ولن ينفع الفرار في دفع القدر المحتوم عن فارّ. فإن فروا فإنهم ملاقوا حتفهم المكتوب في موعده القريب. وكل موعد في الدنيا قريب وكل متاع فيها قليل. ولا عاصم من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته، سواء أراد بهم سوءًا أو أراد بهم رحمة. ولا مولى لهم ولا نصير من دون الله يحميهم ويمنعهم من قدر الله. فالاستسلام الاستسلام والطاعة الطاعة والوفاء الوفاء بالعهد مع الله في السراء والضراء ويرجع الأمر إليه والتوكل الكامل عليه ثم يفعل الله ما يشاء ..
وإن البشرية إلى فناء والعقيدة إلى بقاء .. والدعوة هي أكبر من الداعية وأبقى من الداعية. فدعاتها يجيئون ويذهبون وتبقى هي على مر الأجيال والقرون. ويبقى أتباعها موصولون بمصدرها الأول. فيجب على كل الدعاة أن يستمروا في جهادهم حتى يلاقوا الله عز وجل في أجلهم الذي رسمه الله لهم (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا) .
وإن لكل نفس كتابًا مؤجلًا إلى أجل مرسوم. ولن تموت نفس حتى تستوفي هذا الأجل .. فالخوف والهلع والحرص والتخلف لا تطيل أجلًا، والشجاعة والثبات والإقدام والوفاء لا تقصر عمرًا .. فلا كان الجبن ولا نامت أعين الجبناء. والأجل المكتوب لا ينقص منه يوم ولا يزيد. هذا هو الطريق .. بهذا الوضوح .. لتستقر حقيقة الأمل في النفس فنترك الاشتغال به ولا تجعله في الحساب وهي تفكر في الأداء والوفاء. بالالتزامات والتكاليف الإيمانية، وبذلك تنطلق من عقال الشح والحرص كما ترتفع على وهلة الخوف والفزع. وبذلك تستقيم على الطريق بكل تكاليفه وبكل التزاماته في صبر وطمأنينه وتوكل على الله الذي يملك الآجال وحده (قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) .