إن حقيقة الموت لقاسية رهيبة، فهي التي تواجه كل حي فلا يملك لها ردًا، ولا يملك لها أحد ممن حوله دفعًا وهي تتكرر في كل لحظة ويواجهها الكبار والصغار والأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعاف. ويقف الجميع منها موقفًا واحدًا لا حيلة ولا وسيلة. ولا قوة ولا شفاعة. ولا دفع ولا تأجيل (فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) .. مما يوحي بأنها قادمة من جهة عليا لا يملك البشر معها شيئًا. ولا مفر من الاستسلام لها، والاستسلام لإرادة تلك الجهة العليا، إنه مشهد الموت الذي ينتهي إليه كل حي. يمضي في طريقه لا يتوقف ولا يتلعث ولا يستجيب لصرخة ملهوف، ولا لرغبة راغب، ولا لخوف خائف. الموت الذي يصرع الجبابرة بنفس السهولة التي يصرع بها الأقزام. ويقهر بها المتسلطين كما يقهر المستضعفين سواء ..
والمنهج الإلهي يريد أن يصحح التصور عن الموت والحياة واسبابهما الظاهرة وحقيقتهما المضمرة. ورد الأمر فيهما إلى القدرة المدبرة، والاطمئنان إلى قدرة الله فيهما والمضي في حمل التكاليف والواجبات دون هلع ولا جزع. فالمقدر كائن، والموت والحياة بيد الله في نهاية المطاف. إن الحذر من الموت لا يجدي (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) إن الحذر لا يجدي، وإن الفزع والهلع لا يزيدان حياة، ولا يمدان أجلًا، ولا يردان قضاء. وإن الله هو واهب الحياة وهو آخذ الحياة. والموت حتم لا مهرب منه: وهذه لفتة من اللفتات القرآنية تقر في الاخلاد حقيقة ينساها الناس وهي تلاحقهم أينما كانوا فهذه الحياة إلى انتهاء (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) ..
إنه لا بد من استقرار هذه الحقيقة في النفس: حقيقة أن الحياة في هذه الأرض محدودة بأجل ثم تأتي نهايتها حتمًا. يموت الصالحون ويموت الطالحون. يموت المجاهدون ويموت القاعدون.
يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد، يموت الشجعان الذين يأبون الضيم ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن. يموت ذوو الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية، ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص. الكل يموت (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ) كل نفس تذوق هذه الجرعة، وتفارق هذه الحياة، لا فارق بين نفس ونفس في تذوق هذه الجرعة من الكأس الدائرة على الجميع. إنما الفارق في شيء آخر. الفارق في قيمة أخرى، الفارق في المصير الأخير (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) . والموت حتم في موعده المقرر. ولا علاقة له بالحرب والسلم. ولا علاقة له بحصانة المكان الذي يحتمي به الفرد، أو قلة حصانته (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) . ولا يؤخره أن يؤخر عنهم تكليف القتال في سبيل الله إذن. ولا هذا التكليف والتعرض للناس في الجهاد يعجله عن موعده.
فلا معنى إذن لخشية الناس في القتال أو غير القتال إنه ليس معنى هذا ألا يأخذ الإنسان حذره وحيطته وكل ما في طوقه من استعداد واهبة ووقاية والله يقول (خُذُوا حِذْرَكُمْ) ولكن هذا كله وتعليق الموت والأجل به شيء آخر. إن أخذ الحذر واستكمال العدة أمر يجب أن يطاع وله حكمته الظاهرة والخفية ووراءه تدبير الله ..