الصفحة 223 من 306

إنه لا بد لصاحب الدعوة إلى الله أن يتجرد من أسناد الأرض، وأن يستهين كذلك بأسناد الأرض. إنها في ذاتها واهية، واهنة، مهما بدت قوية قادرة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ..

وصاحب الدعوة إلى الله يرتكن إلى الله. فما هذه الأولياء والأسناد الأخرى إذن؟ وما تساوي في حسه؟ حتى لو قدرت على أذاه؟ إنما نقدر على أذاه بأذن ربه الذي يتولاه. لا عجزًا من ربه عن حمايته من أذاها -سبحانه وتعالى- ولا تخليًا منه سبحانه عن نصرة أوليائه. ولكن ابتلاء لعباده الصالحين للتربية والتحميص والتدريب. واستدراجًا لعباده الطالحين للاعذار والإمهال والكيد المتين. لقد كان أبو بكر رضي الله عنه يردد والمشركون يتناولونه بالأذى ويضربون وجهه الكريم بالنعال المخصوفة يحرفونها إلى عينيه ووجهه حتى تركوه وما يعرف له فم من عين، كان يردد طوال هذا الاعتداء المنكر الفاجر على أكرم من أقلت الأرض بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم (رب ما أحلمك .. رب ما أحلمك .. رب ما أحلمك) كان يعرف في قرارة نفسه ما وراء هذا الأذى من حلم ربه. لقد كان واثقًا أن ربه لا يعجز عن التدمير على أعدائه، كما كان واثقًا أن ربه لا يتخلى عن أوليائه ..

لقد كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول وقد تناوله المشركون بالأذى لأنه أسمعهم القرآن في ناديهم إلى جوار الكعبة حتى تركوه وهو يترنح لا يصلب قامته. كان يقول بعد هذا الأذى المنكر الفاجر الذي ناله (والله ما كانوا أهون علي منهم حينذاك) . كان يعرف أنهم يحادون الله سبحانه، وكان يستيقن أن الذي يحاد الله مغلوب هين على الله. فينبغي أن يكون مهينًا عند أولياء الله، ولقد كان عبد الله بن مظعون رضي الله عنه يقول وقد خرج من جوار عتبة بن ربيعة المشرك لأنه لم يستسغ لنفسه أن يحتمي بجوار مشرك فيكف عنه الأذى. وإخوان له في الله يؤذون في سبيل الله- وقد تجمع عليه المشركون بعد خروجه من جوار عتبة -فآذوه حتى خسروا عينه- كان يقول لعتبة وهو يراه في هذه الحال، فيدعوه أن يعود إلى جواره (لأنا في جوار من هو أعز منك) . وكان يرد على عتبة إذ قال له (يا ابن أخي لقد كانت عينك في غنى عما أصابها .. يقول(لا والله. وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل الله) .. كان يعلم أن جوار ربه أعز من جوار العبيد، وكان يستيقن أن ربه لا يتخلى عنه، ولو تركه يؤذى في سبيله هذا الأذى لترتفع نفسه إلى هذا الأفق العجيب (لا والله. وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل الله) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت