الصفحة 222 من 306

وإن الذين يجدون في قلوبهم الاتكال على أحد غير الله أو على سبب. يجب أن يبحثوا ابتداء في قلوبهم عن الإيمان بالله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) . عليه وحده كما يفيد بناء العبارة. لا يشركون معه أحدًا يستعينون به ويتوكلون عليه أو كما عقب عليها الإمام ابن كثير في التفسير، (أي لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه. ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن .. وإنه المتصرف في الملك. لا شريك له، ولا معقب لحكمه وهو سريح الحساب، ولهذا قال سعيد بن جبير، التوكل على الله جماع الإيمان) .

وهذا هو إخلاص الاعتقاد بواحدنية الله، وإخلاص العبادة له دون سواه، فما يمكن أن يجتمع في قلب واحد، توحيد الله، والتوكل على أحد معه سبحانه. وليس الاتكال على الله وحده بمانع من اتخاذ الأسباب فالمؤمن يتخذ الأسباب من باب الإيمان بالله وطاعته فيما يأمر به من اتخاذها. ولكنه لا يجعل الأسباب هي التي تنشئ النتائج فيتكل عليها. إن الذي ينشئ النتائج -كما ينشئ الأسباب- هو قدر الله، ولا علاقة بين السبب والنتيجة في شعور المؤمن .. اتخاذ السبب عبادة بالطاعة، وتحقيق النتيجة قدر من الله مستقل عن السبب لا يقدر عليه إلا الله وبذلك يتحرر شعور المؤمن من التعبد للأسباب والتعلق بها، وفي الوقت ذاته يستوفيها بقدر طاقته لينال ثواب طاعة الله في استيفائها.

وعلى الداعية أن يعلن عقيدته الناصعة في تولي الله وحده (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ، إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ، وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) . إنها كلمة صاحب الدعوة في وجه الجاهلية. ولقد قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أمره ربه وتحدى بها المشركين في زمانه وآلهتهم المدعاة (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ) .

لقد قذف في وجوههم ووجوه آلهتهم المدعاة بهذا التحدي وقال لهم ألا يألوا جهدًا في جمع كيدهم وكيد آلهتهم بلا إمهال ولا إنظار. قالها في لهجة الواثق المطمئن إلى السند الذي يرتكن إليه ويحتمي به من كيدهم جميعًا (إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) .. فأعلن بها عمن إليه يرتكن. إنه يرتكن إلى الله الذي نزل الكتاب. فدل بتنزيله على إرادته سبحانه في أن يواجه رسوله الناس بالحق الذي فيه. كما قدر أن يعلي هذا الحق على باطل المبطلين. وأن يحمي عباده الصالحين الذين يبلغونه ويحملونه ويثقون فيه. وإنها لكلمة صاحب الدعوة إلى الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل مكان وفي كل زمان (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ) (إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت