الصفحة 221 من 306

إن التوكل على الله حقيقة دائمة يطلقها الرسل عليهم الصلاة والسلام (وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) . فعلى الله وحده يتوكل المؤمن، لا يلتفت قلبه إلى سواه، ولا يرجو عونًا إلا منه، ولا يرتكن إلى إلى حماه. ويواجه المؤمنون الطغيان بالإيمان، أو يواجهون الأذى بالثبات (وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) إنها كلمة المؤمن المطمئن إلى موقفه وطريقه، المالئ يديه من وليه وناصره. المؤمن أن الله الذي يهدي السبيل لا بد أن ينصر ويعين.

والقلب الذي يحس أن يد الله سبحانه تقود خطاه وتهديه السبيل هو قلب موصول بالله، لا يخطئ الشعور بوجوده سبحانه وألوهيته القاهرة المسيطرة. وهو شعور لا مجال معه للتردد في المضي في الطريق، أيًا كانت العقبات في الطريق، وأيًا كانت قوى الطاغوت التي تتربض في هذا الطريق. وهذه الحقيقة -حقيقة الارتباط في قلب المؤمن بين شعوره بهداية الله وبين بديهية التوكل عليه- لا تستشعرها إلا القلوب التي تزاول الحركة فعلًا في مواجهة طاغوت الجاهلية، والتي تستشعر في أعماقها يد الله سبحانه وهي تفتح لها كوى النور، فتبصر الآفاق المشرفة وتستروح أنسام الإيمان والمعرفة. وتحس الأنس والقربى.

وحينئذ لا تحفل بما يتوعدها به طواغيت الأرض، ولا تملك أن تستجيب للاغواء ولا للتهديد. وهي تحتقر طواغيت الأرض وما في أيديهم من وسائل البطش والتنكيل. وماذا يخاف القلب الموصول بالله على هذا النحو؟ وماذا يخيفه من أولئك العبيد. فلنصبر ولا نتزحزح، ولا نضعف ولا نتراجع، ولا نهن ولا نتزعزع، ولا نشك ولا نفرط ولا نحيد (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا) .

وإن منطق الإيمان الصحيح في بساطته وقوته كما هو في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما ينبغي أن يكون في قلب كل مؤمن برسالة: وكل قائم بدعوة .. هو هذا البيان (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ) فهذا البيان هو الدستور الذي يغني ويكفي، ويكشف الطريق الواصل الثابت المستقيم. فمن ذا يخيف وماذا يخيف إذا كان الله معه. وإذا كان هو قد اتخذ مقام العبودية. وقام بحق هذا المقام؟ ومن ذا الذي يشك في كفاية الله لعبده وهو القوي القاهر فوق عباده .. إنها قضية الخوف، بسيطة واضحة لا تحتاج إلى جدل ولا كد ذهن .. إنه الله ومن هم دون الله. وحين يكون هذا هو الموقف لا يبقى هنالك شك ولا يكون هناك اشتباه. فإذا تقرر هذا. فما الذي يخشاه داعية إلى الله؟ ما الذي يخشاه وما الذي يرجوه؟ وما الذي يقلقه أو يخيفه أو يصده عن طريقه. إنه متى استقرت هذه الحقيقة في قلب مرمن فقد انتهى الأمر بالنسبة إليه. وقد انقطع الجدل، وانقطع الأمل. إلا في جناب الله سبحانه فهو كاف عبده، وعليه يتوكل وحده (قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت