كذلك يجب على الدعاة أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الكبيرة، تلك الحقيقة التي يؤكدها القرآن دائمًا ويقررها. وهي حقيقة الصلة بين الله وبين المؤمنين. إنها الصلة بين الإنسان وبين القوة الكبرى. إنه سبحانه يجعل صفه صفهم، وأمرهم أمره. وشأنهم شأنه. يضمهم سبحانه إليه ويأخذهم في كنفه ويجعل عدوهم عدوه. وما يوجه إليهم من مكر موجهًا إليه سبحانه (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) وهذا هو التفضل العلوي الكبير، التفضل الذي يرفع مقام المؤمنين وحقيقتهم إلى هذا المستوى السامق، والذي يوحي بأن حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق. والذي يسكب في قلب المؤمن طمأنينة لا حد لها، وهو يرى الله جل شأنه يجعل قضيتهم هي قضيته، ومعركتهم هي معركته، وعدوهم هو عدوه. ويأخذهم في صفه ويرفعهم إلى جواره الكريم.
فماذا يكون العبيد، وكيدهم وخداعهم وأذاهم الصغير، ولقد كانت العصبة المسلمة الأولى تجد الله، فتجد القوة الكبرى، كانوا يجدون صفاته في نفوسهم، كانوا يجدونها رطبة بالحياة الحقيقية، كانوا يحسون أن الله يسمع لهم وهو قريب منهم، وأنه معني بأمرهم عناية مباشرة، وأن شكواهم ونجواهم تصل إليه بلا وساطة، ولا يهملها ولا يكلها إلى سواه. ومن ثم كانوا يعيشون في أنس بربهم، في كنفه، في جواره، في عطفه، في رعايته، ويجدون هذا كله في نفوسهم حيًا واقعًا، وليس معنى ولا فكرة ولا مجرد تمثيل وتقريب (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) وهكذا يصوّر القرآن الحقيقة الواقعة. حقيقة المعركة بين الإيمان والكفر، وبين الحق والباطل، وبين الدعاة إلى الله الواحد، والطغاة الذين يستكبرون، في الأرض بغير الحق.
فالمعركة قديمة بدأت منذ فجر البشرية وميدانها أوسع من الأرض كلها، إن الوجود كله يقف مؤمنًا بربه مسلمًا مستسلمًا، ويشذ منه الذين كفروا يجادلون في آيات الله وحدهم دون سائر هذا الكون الكبير. ونعلم كذلك نهاية المعركة غير المتكافئة بين صف الحق الطويل الضخم، وشرذمة الباطل القليلة الضئيلة الهزيلة مهما يكن تقلبها في البلاد، ومهما يكن مظهرها من القوة والسيطرة والمتاع. هذه الحقيقة يرسمها الله لتستقر في القلوب، وليعرفها على وجه خاص أولئك الذين يحملون دعوة الحق والإيمان في كل زمان ومكان. فلا تتعاظمهم قوى الباطل الظاهرة في فترة محدودة من الزمان، ورقعة محدودة من المكان. فهذه ليست الحقيقة. إنما الحقيقة التي يصورها كتاب الله، وتنطق بها كلمة الله وهو أصدق القائلين وهو العزيز العليم.