الصفحة 214 من 306

هذه قاعدة الله. فالذين يؤمنون بالله ويعتقدون بيوم الجزاء لا ينتظرون أن يؤذن لهم في أداء فريضة الجهاد، ولا يتلكأون في تلبية داعي النفرة في سبيل الله بالأموال والأرواح بل يسارعون إليها خفافًا وثقالًا كما أمرهم الله، طاعة بأمره ويقينًا بلقائه وثقة بجزائه وابتغاء لرضاه وإنهم ليتطوعون تطوعًا، فلا يحتاجون إلى من يستحثهم فضلًا عن الأذن لهم، إنما يستأذن أولئك الذين خلت قلوبهم من اليقين فهم يتلكأون ويتلمسون لمعاذير. لعل عائقًا من العوائق يحول بينهم وبين النهوض بتكاليف العقيدة التي يتظاهرون بها. يا دعاة الإسلام .. إن الطريق إلى الله واضحة مستقيمة، فما يتردد ويتلكأ إلا الذي لا يعرف الطريق أو الذي يعرفها ويتنكبها اتقاء لمتاعب الطريق. وإن أصحاب هذه القلوب الحائرة لهم الخطر على مسيرة الدعوة فهم يبثّون الخور والضعف في الصفوف بهممهم الساقطة وقلوبهم المرتابة، وإن هذا النصف الخطير يخاف من الناس ويحاول إرضاء الناس بسخط الله (وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ) فماذا يكون الناس، وماذا تبلغ قوتهم؟ ولكن الذي لا يؤمن بالله عادة. ولا يعنو له. ويعنو لإنسان مثله ويخشاه، إن المؤمن لا يخضع إلا لله ولا يخشى إلا الله .. إنه النموذج المكرور الذي يدعي الإسلام ويفرح بالسلامة والراحة. ويحسبون أن السلامة غاية يحرص عليها الرجال (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) .

هؤلاء نموذج لضعف الهمة وطراوة الإرادة، وكثيرون هم الذين يشفقون من الجهد، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز، وهم يتساقطون أعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات .. إن الكفاح والجهاد فطرة في المؤمن، وإنه ألذ وأجمل من القعود والتخلف والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال. إن الدعوات في حاجة إلى طبائع صلبة مستقيمة ثابتة مصممة تصمد في الكفاح الطويل الشاق، والصف الذي يتخلله الضعاف المسترخون، لا يصمد لأنهم يخذلونه في ساعة الشدة فيعيثون فيه الخذلان والضعف والاضطراب. هذا هو الطريق الذي رسمه الله تعالى، وإنه لطريق هذه الدعوة ورجالها أبدًا. وليعرف الدعاة في كل زمان وفي كل مكان ذلك الطريق. إن للذل ضريبة كما أن للكرامة ضريبة وإن ضريبة الذل لأفدح في كثير من الأحيان. وإن بعض النفوس الضعيفة ليخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة لا تطاق، فتختار الذل والمهانة هربًا من هذه التكاليف الثقال، فتعيش عيشة تافهة رخيصة، مفزعة قلقة، تخاف من ظلها وتفرق من صداها يحسبون كل صيحة عليهم، ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة. هؤلاء الأذلاء يؤدون أفدح من تكاليف الكرامة، إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة. يؤدونها من نفوسهم ويؤدونها من أقدارهم ويؤدونها من سمعتهم، ويؤدونها من اطمئنانهم وكثيرًا ما يؤدونها من دمائهم وأولادهم وهم لا يشعرون ..

إن المنافقين نموذج من الناس الذين يعجزون عن احتمال تبعة الرأي وتكاليف العقيدة فيقعدون متخلفين عن الكفاح. فلقد أغلق الله فيهم منافذ الشعور والعلم وعطل فيهم أجهزة الاستقبال والإدراك بما ارتضوه هم لأنفسهم من الخمول والبلادة والوهم والاحتجاب عن مزاولة النشاط الحركي المتفتح المنطلق الوثاب (وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت