الصفحة 213 من 306

(فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا) . في قلوبهم آفة. في قلوبهم علة. والمرض ينشئ المرض والانحراف يبدأ يسيرًا ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد .. إن المنافقين والذين في قلوبهم مرض يقفون ليتفرجوا، والعصبة المسلمة تصارع جحافل الطاغوت وعدتها الأساسية: هذا الدين. وهذه العقيدة الدافقة الدافعة، وهي الغيرة على ألوهية الله وعلى حرمات الله، وهي التوكل على الله والثقة بنصره. إن المنافقين في نفوسهم سخرية من هذه العصبة التي تتصدى للخطر، وتستخف بالخطر، وفي نفوسهم عجب كذلك ودهشة من اقتحام العصبة المسلمة للمكاره الظاهرة وللاخطار الواضحة، إنهم لا يعرفون مبررًا لهذا التهور كما يسمونه، وللالتقاء بالنفس إلى التهلكة .. إنهم يحسبون الحياة كلها بما فيها الدين والعقيدة صفقة في سوق التجارة. إن كانت ظاهرة الربح اقدموا عليها. فأما إذا كان الخطر فالسلامة أولى. إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن ولا يَزِلون النتائج كذلك بميزان الإيمان. إنها في حمى المؤمن وميزانه صفقة رابحة دائمًا، فهي مؤدية إلى إحدى الحسنين: النصر والغلب، أو الشهادة والجنة. ثم إن حساب القوى في نفسه يختلف فهناك الله .. وهذا ما لا يدخل في حساب المنافقين والذين في قلوبهم مرض.

والعصبة المؤمنة والدعاة .. في كل زمان وفي كل مكان مدعوون إلى أن يَزِنوا بميزان الإيمان والعقيدة وأن يدركوا ببصيرة الإيمان وأن يروا بنور الله وهداه، وألا يتعاظموا قوى الطاغوت الظاهرة، وألا يستهينوا بقوتهم ووزنهم فإن الله معهم.

إن العقيدة وطريقها لشاقة بعيدة، تتقاصر دونها الهمم الساقطة والعزائم الضعيفة. إن تكاليف العقيدة هو جهد خطر، تجزع منه الأرواح الهزيلة والقلوب الخاوية. ولكنه الأفق العالي الذي تتخاذل دونه النفوس الصغيرة والبنية المهزولة (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ) .. إنه لمشهد مكرور في البشرية ترسمه هذه الكلمات الخالدة فكثيرون هم أولئك الذين يتهاوون في الطريق الصاعد إلى الآفاق الكريمة. كثيرون أولئك الذين يجهدون لطول الطريق فيتخلفون عن الركب، ويميلون إلى عرض تافه أو مطلب رخيص. كثيرون تعرفهم البشرية في كل زمان وفي كل مكان. فما هي قلة عارضة. إنما هي النموذج المكرور، وإنهم ليعيشون على حاشية الحياة، وإن خُيل إليهم أنهم بلغوا منافع ونالوا مطالب واجتنبوا أداء الثمن الغالي.

فالثمن القليل لا يشتري سوى التافه الرخيص. (لاَ يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت