الصفحة 212 من 306

وما يستعز المؤمن بغير الله وهو مؤمن .. وما يطلب العزة والنصرة والقوة عند أعداء الله وهو يؤمن بالله. وما أحوج ناسًا ممن يدعون الإسلام ويتسمون بأسماء المسلمين وهم يستعينون بأعداء أعداء الله في الأرض. أن يتدبروا القرآن .. إن كانت بهم رغبة في أن يكونوا مسلمين .. وإلا فإن الله غني عن العالمين. وأولى مراتب النفاق أن يجلس المؤمن مجلسًا يسمع فيه آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، فيسكت ويتغاضى يسمي ذلك تسامحًا أو يسميه دهاء، أو يسميه سعة صدر وأفق وإيمانا بحرية الرأي .. وهي، هي الهزيمة الداخلية تدب في أوصاله وهو يموّه على نفسه في أول الطريق حياء منه أن تأخذه نفسه متلبسًا بالضعف والهوان .. إن الحمية لله ولدين الله ولآيات الله، هي آية الإيمان، وما تفتر هذه الحمية إلا وينهار بعدها كل سد وينزاح بعدها كل حاجز وينجرف الحطام الواهي عند دفعة التيار. وإن الحمية لتكبت في أول الأمر عمدًا ثم تهمد، ثم تخمد ثم تموت. فمن سمع الاستهزاء بدينه في مجلس، فإما أن يدفع. وإما أن يقاطع المجلس وأهله. فأما التغاضي والسكوت فهو أول مراحل الهزيمة، وهو المعبر بين الكفر والإيمان على قنطرة النفاق وإن موقف المنافق هو موقف الذبذبة والأرجحة والاهتزاز وعدم الاستقرار والثبات في أحد الصفين: الصف المؤمن أو الصف الكافر .. موقف لا يثير إلا الاحتقار في نفوس المؤمنين لذلك يرسم الله صورة النفاق (مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) إن هذا الموقف يوحي بضعف هذه النفوس المرتدة إلى حمأة النفاق .. هذا الضعف الذي يجعلهم غير قادرين على اتخاذ موقف حاسم ولا على المصارحة برأي وعقيدة وموقف .. إنها صورة المنافقين في كل آن. خوف ومداراة. وقلب منحرف. وضمير مدخول. ومظاهرة خالية من الروح. وتظاهر بغير ما يكنه الضمير. الضعف عن المواجهة والجبن عن المصارحة. سقوط الهمة وضعف العزيمة .. إنها أجسام تعجب. لا أناسي تتجاوب. إنهم خشب لا حركة فيها، ملطوعة بجانب الجدار. فهم الذين يمثلون الخمود الراكد البارد (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) .

ولخطورة أمر النفاق كان عمر رضي الله عنه يأتي حذيفة بن اليمان (وهو الصحابي الذي عرفه رسول الله بأسماء المنافقين) . لقد كان عمر يأتي حذيفة ليطمئن منه على نفسه: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسمه من المنافقين، وكان حذيفة يقول له: يا عمر لست منهم. ولا يزيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت