إن النفس إذا لم تتجرد لله، لم تتحرر أبدًا من ضغط القيم والأوضاع والضرورات والمصالح والحرص والشح، ولم ترتفع أبدًا على المصالح والمغانم والمطامع والمطامح، ولم تستشعر أبدًا تلك الطلاقة والكرامة والاستعلاء التي يحسها القلب المملوء بالله أمام القيم والأوضاع وأمام الأشخاص والأحداث وأمام القوى الأرضية، والسلطان وأصحاب السلطان.
ومن هنا تبذر بذرة النفاق. وما النفاق في حقيقته إلا الضعف عن الإصرار على الحق في مواجهة الباطل وهذا الضعف هو ثمرة الخوف والطمع وتعليقهما بغير الله. وثمرة التقيد بملابسات الأرض، ومواضعات الناس في عزلة عن منهج الله للحياة. وإن طبيعة المنافقين الأولى حين نتلمسهم حسب التوجيه القرآني هي ولاية الكافرين دون المؤمنين (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا، وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) فيكشف الله عز وجل عن سوء التصور لحقيقة القوى. إنه إما عبودية لله كلها، استعلاء وعزة وانطلاق. وإما عبودية لعباد الله كلها استخذاء وذلة وإغلال. ولمن شاء أن يختار ..