وما يؤثر الإنسان السلامة الذليلة والراحة البليدة إلا وقد فرغت نفسه من دوافع التطلع والتذوق والتجربة والمعرفة. وفوق ما فرغت من دوافع الوجود والشهود والتأثر والتأثير في واقع الحياة وإن بلادة الراحة لتغلق المنافذ والمشاعر وتطبع على القلوب والعقول، والحركة دليل الحياة والمحرك في الوقت ذاته للحياة. ومواجهة الخطر تستثير كوامن النفس وطاقات العقل، وتشد العضل وتكشف عن الاستعدادات المخبوءة التي تنتفض عند الحاجة، وتدرب الطاقات البشرية على العمل، وتشحذها للتلبية والاستجابة .. وكل أولئك ألوان من العلم والمعرفة والتفتح يحرمها طلاب الراحة والسلامة الذليلة .. هذا هو الطريق .. (إِنَّهُمْ رِجْسٌ) .. والقاعدون في الجماعة المكافحة -وهم قادرون على الحركة- الذين يقعدهم إيثار السلامة عن الجهاد .. رجس ودنس، ما في ذلك من شك ولا ريب، رجس خبيث يلوث الأرواح ودنس قذر يؤذي المشاعر. فالجثة المنتنة في وسط الأحياء تؤذي وتعدي وهم الخاسرون (وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .. إنها الخسارة المطبقة بكل ألوانها وأشكالها ومن أصدق من الله حديثا .. فهؤلاء المبطئون .. وهم معدودون من المسلمين يزاولون عملية التبطئة كاملة، ويصرون عليها إصرارًا ويجتهدون فيها اجتهادًا (وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ) .. ها هم أولاء كما يكونون في كل زمان وفي كل مكان .. ها هم أولاء ضعفاء منافقين، ملتوين، صغار الاهتمامات أيضا. لا يعرفون غاية أعلى من صالحهم الشخصي المباشر، ولا أفقًا أعلى من ذواتهم المحدودة الصغيرة، فهم يديرون الدنيا كلها على محور واحد. إنهم يبطئون ويتلكأون، ولا يصارحون، ليمسكوا العصا من وسطها كما يقال. يتخلفون عن المعركة، فإن أصابت المجاهدين محنة وابتلوا الابتلاء الذي يصيب المجاهدين في بعض الأحايين يفرح القاعدون ويحسبون أن فرارهم من الجهاد ونجاتهم من الابتلاء نعمة (فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا) وهكذا يعد المنافق التخلف عن الجهاد نعمة .. إنها نعمة ولكنها عند الذين لا يتعاملون مع الله. عند من لا يدركون لماذا خلقهم الله، ولا يعبدون الله بالطاعة والجهاد لتحقيق منهجه في الحياة.
نعمة عند من لا يتطلعون إلى آفاق أعلى من مواطئ الإقدام في هذه الأرض. كالنمال .. نعمة عند من لا يحسون أن البلاء في سبيل الله وفي الجهاد لتحقيق منهج الله وإعلاء كلمة الله. هو فضل واختيار من الله يختص به من يشاء من عباده ليرفعهم في الحياة الدنيا على ضعفهم البشري، ويطلقهم من إسار الأرض يستشرفون حياة رفيعة يملكونها ولا تملكهم. وإن المؤمن لا يتمنى البلاء، بل يسأل الله العافية. ولكن إذا ندب للجهاد خرج غير متثاقل خرج يسأل الله إحدى الحسنيين. النصر أو الشهادة. وكلاهما فضل من الله وكلاهما فوز عظيم. فيقسم الله له الشهادة فإذا هو راض بما قسم الله وفرح بمقام الشهادة عند الله. ويقسم له الغنيمة والإياب فيشكر الله على فضله ويفرح بنصر الله لا لمجرد النجاة.
إن الإيمان الصحيح متى استقر في القلب ظهرت آثاره في السلوك، والإسلام عقيدة متحركة لا تطيق السلبية. فهي بمجرد تحققها في عالم الشعور تتحرك لتحقق مدلولها في الخارج، ولتترجم نفسها إلى حركة وعمل في عالم الواقع.