ويصر الطاغوت على الباطل في وجه الحق ويقاوم الدعوة إلى رب العالمين .. ذلك أنه يعلم علم اليقين أن هذه الدعوة بذاتها هي حرب عليه بانكار شرعية قيامه من أساسه .. وما يمكن أن يسمح الطاغوت بإعلان أن لا إله إلا الله، أو أن الله رب العالمين، إلا حين تفقد هذه الكلمات مدلولها الحقيقي، وتصبح مجرد كلمات .. لا مدلول لها .. وهي في مثل هذه الحالة لا تؤذيه لأنها لا تعنيه. فأما حين تأخذ عصبة من الناس هذه الكلمات جدًا بمدلوها الحقيقي، فإن الطاغوت الذي يزاول الربوبية -بمزاولته للحاكمية بغير شرع الله، وتعبيد الناس له بهذه الحاكمية وعدم إرسالهم لله- لا يطيق هذه العصبة ..
وكثيرًا ما يوهم الباطل أن وراء الدعوة الجديدة خبيئًا غير ظاهرها، وأنهم هم الكبراء العليمون ببواطن الأمور مدركون لما وراء هذه الدعوة من خبيئ (وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) فليس هو الدين، وليست هي العقيدة، إنما هو شيء آخر يراد من وراء هذه الدعوة. شيء يجب أن تدعه الجماهير لأربابه ولمن يحسنون فهم المخبآت وإدراك المناورات. وتنصرف هي إلى عادتها الموروثة وآلهتها المعروفة، ولا تعني نفسها بما وراء المناورة الجديدة. فهناك أربابها الكفيلون بمقاومتها. فلتطمئن الجماهير. فالكبراء ساهرون على مصالحهم وعقائدهم وآلهتهم. إنها الطريقة المألوفة المكرورة التي يصرف بها الطغاة جماهيرهم عن الاهتمام بالشؤون العامة والبحث وراء الحقيقة. وتدبر ما يواجههم من حقائق خطرة. ذلك أن اشتغال الجماهير بمعرفة الحقائق بأنفسهم خطر على الطغاة. وخطر على الكبراء. وكشف للأباطيل التي يغرقون فيها الجماهير. وهم لا يعيشون إلا بإغراق الجماهير في الأباطيل .. وحينما يحس الطغاة بأن الأرض تتزلزل تحت أقدامهم، عندئذ يلينون في القول بعد التجبر (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَامُرُونَ) ومتى كان الطاغية يطلب أمر أتباعه وهم له يسجدون .. وتلك شنشنة الطغاة يلجأون إلى الشعوب، وقد كانوا يدوسونها بالأقدام. ويتظاهرون بالشورى في الأمر وهم كانوا يستبدون بالهوى: ذلك إلى أن يتجاوزوا منطقة الخطر. ثم إذا هم جبابرة مستبدون ظالمون.
إن إعلان ربوبية الله للعالمين هي بذاتها إعلان تحرير الإنسان. تحرير من الخضوع والطاعة والتبعية والعبودية لغير الله. تحريره من شرع البشر، ومن هوى البشر، ومن تقاليد البشر، ومن حكم البشر، وإعلان ربوبية الله للعالمين لا يجتمع مع خضوع أحد من العالمين لغير الله، ولا يجتمع مع حاكمية أحد بشريعة من عنده للناس .. والذين يظنون أنهم مسلمون بينما هم خاضعون لشريعة من صنع البشر -أي لربوبية غير ربوبية الله- واهمون إذا ظنوا لحظة واحدة أنهم مسلمون .. (إنهم لا يكونون في دين الله لحظة واحدة وحاكمهم غير الله وقانونهم غير شريعة الله، إنهم في دين حاكمهم ذاك .. في دين الملك لا في دين الله.
وإن الطاغية يدرك خطورة هذه الدعوة .. لقد قال الرجل العربي -بفطرته وسليقته- حين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله: