(هذا أمر تكرهه الملوك) وقال له رجل آخر من العرب بفطرته وسليقته: (إذن تحاربك العرب والعجم) .. لقد كان هذا العربي وذاك يفهم مدلولات لغته. كان يفهم أن شهادة أن لا إله إلا الله ثورة على الحاكمين بغير شرع الله عربًا كانوا أم عجمًا. كانت لشهادة أن لا إله إلا الله جديتها في حس هؤلاء العرب، لأنهم كانوا يفهمون مدلول لغتهم جيدًا. فما كان أحد منهم يفهم أنه يمكن أن تجتمع في قلب واحد، ولا في أرض واحدة، شهادة أن لا إله إلا الله، مع الحكم بغير شرع الله فيكون هناك آلهة مع الله. ما كان أحد يفهم شهادة أن لا إله إلا الله كما يفهمها اليوم من يدعون أنفسهم (مسلمين) .. ذلك الفهم الباهت الهزيل.
وإن عبودية الناس لغير الله سبحانه تنشئ في نفوسهم الذلة، وقد أراد الله أن يقيمها على الكرامة. وتنشئ في الحياة الظلم والبغي، وقد أراد الله أن يقيمها على القسط والعدل، وتحول جهود الناس إلى عبث في تأليه الأرباب الأرضية، والطبل حولها والزمر والنفخ فيها دائمًا. لتكبر حتى تملأ مكان الرب الحقيقي. ولما كانت هذه الأرباب في ذاتها صغيرة هزيلة، لا يمكن أن تملأ مكانة الرب الحقيقي، فإن عبادها المساكين يظلون في تعب دائم، وهم مقعد مقيم ينفخون فيها ليل نهار، ويسلطون عليها الأضواء والأنظار، ويضربون حولها بالدفوف والمزامير، والترانيم والتسابيح، حتى يستحيل الجهد البشري كله من الإنتاج المثمر للحياة إلى هذا الكد البائس النكد وإلى هذا الهم المقعد المقيم ...
إن الله سبحانه يعلم طبيعة هذا الإنسان الذي خلقه، وحدود طاقته، فلم يكتب على الناس في الدين الذي جاء للبشر أجمعين إلا ما هو ميسر للجميع حين تصح العزيمة، وتعتدل الفطرة وينوي العبد الطاعة، ولا يستهتر ولا يستهين .. وتقرير هذه الحقيقة ذو أهمية خاصة في مواجهة الدعوات الهدّامة التي يدفعها الطواغيت. والتي تدعو الإنسان إلى الانحلال والحيوانية والتلبط في الوحل كالدود بحجة أن هذا هو واقع الإنسان، وطبيعته وفطرته، وحدود طاقته، وإن الدين دعوة مثالية لم تجيء لتحقق في واقع الأرض. وإذا نهض بتكاليفها فرد فان مئة لا يطيقون ... هذه دعوى كاذبة أولا، وخادعة ثانيًا، وجاهلة ثالثًا، لأنها لا تفهم الإنسان ولا تعلم منه ما يعلمه خالقه الذي فرض عليه تكاليف الدين، وهو يعلم سبحانه، أنها داخلة في مقدور الإنسان العادي لأن الدين لم يجيء للقلائل الممتازين. وإن هي إلا العزيمة -عزيمة الفرد العادي، وإخلاص النية، والبدء في الطريق، وعندئذ يكون ما يعد به العاملين (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا، وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) فمجرد البدء يتبعه العون من الله، ويتبعه التثبيت على المضي في الطريق ويتبعه الأجر العظيم، وتتبعه الهداية إلى الطريق المستقيم .. وصدق الله العظيم ...