الطاغوت هو صياغة من الطغيان، نحو ملكوت وعظموت ورحموت تفيد المبالغة والضخامة. والطاغوت كل ما طغى وتجاوز الحد .. والذين اجتنبوا عبادتها هم الذين اجتنبوا عبادة غير المعبود في أية صورة من صور العبادة، وهم الذين أنابوا إلى ربهم، وعادوا إليه وقفوا في مقام العبودية له وحده (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) إن الطاغوت هو كل سلطان لا يستمد من سلطان الله، وكل حكم لا يقوم على شريعة الله، وكل عدوان يتجاوز الحق. والعدوان على سلطان الله وألوهيته، وحاكميته هو أشنع العدوان، وأشده طغيانًا، وأدخله في معنى الطاغوت لفظًا ومعنى .. وأهل الكتاب لم يعبدوا الأحبار والرهبان، ولكن اتبعوا شرعهم فسمّاهم الله عبادًا لهم وسمّاهم مشركين (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) .. فهم عبدوا الطاغوت أي السلطات الطاغية المتجاوزة لحقها. وهم لم يعبدوها بمعنى السجود والركوع. ولكنهم عبدوها بمعنى الاتباع والطاعة، وهي عبادة تخرج صاحبها من عبادة الله ومن دين الله. وأن الدعوة إلى دين الله رب العالمين لا تحمل إلا مدلولًا واحدًا هو انتزاع السلطان من يد العبيد الطواغيت ورده إلى صاحبه سبحانه. أما معنى هذه الدعوة إلى رب العالمين عند هؤلاء الطواغيت فهي الإفساد في الأرض، أو كما يقال اليوم في قوانين الجاهلية لمثل هذه الدعوة بذاتها أنها محاولة لقلب نظام الحكم (وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ .. ) (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) .. إن نظام الحكم في الجاهليات يقوم على ربوبية عبد من العبيد لبقية العبيد، بينما الدعوة إلى رب العالمين تعني أن تكون الربوبية على العبيد الخالق العبيد .. والسحرة الذين آمنوا برب العالمين، وأسلموا لله وحده، وأعلنوا الخروج من العبودية الزائفة للطاغوت المغتصب للربوبية واختصاصاتها. كانوا يعلمون حقيقة المعركة بينهم وبين الطاغوت أنها المعركة على العقيدة. لأن هذه العقيدة تهدد سلطان الطواغيت بمجرد إعلان أصحابها أن عبوديتهم خالصة لرب العالمين. بل بمجرد إعلان أن الله رب العالمين. ومن ثم قالوا لفرعون ردًا على اتهامه لهم بأن هذا مكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها -وهو مرادف للاتهام في الجاهليات الحديثة لكل من يعلن ربوبية الله للعالمين بمعناها الجاد، بأنه يعمل على قلب نظام الحكم .. هذه هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) . أليست هي بعينها كلمة الباطل الكالح في وجه الحق الجميل؟ أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث لاثارة الخواطر في وجه الإيمان الهادئ .. إنه منطق واحد يتكرر كلما التقى الحق والباطل. والإيمان والكفر. والصلاح والطغيان. على توالي الزمان واختلاف المكان. ويأخذ كل طاغية توجه إليه النصيحة، تأخذه العزة بالاثم، ويرى في النصح الخالص (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) وهكذا لا يرى الطغاة إلا الرشد والخير والصواب؟ وهل يسمحون بأن يظن أحد أنهم قد يخطئون، وهل يجوز أن يرى إلى جوار رأيهم رأيًا وإلا فلم كانوا طغاة ..