الصفحة 203 من 306

إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة .. وإن الطاغية يخدع الجماهير الغافلة، فما يخدع الطغاة شيء ما تخدعهم غفلة الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها .. وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطانا. إنما هي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب، وتمدّ له أعناقها فيجر، وتحني له رؤوسها فيستعلي، وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى، والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة، وخائفة من جهة أخرى.

وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم. فالطاغية وهو فرد لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين. لو أنها شعرت بإنسانيتها وحريتها، وكل فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوة. ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه يملك لها شيئا .. وما يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة أبدا. وما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبدًا. وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها وتؤمن به، وتأبى أن تتعبد لواحد من خلقه لا يملك لها ضرًا ولا رشدًا .. فالضعف جريمة في الإسلام نصيبه النار (فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ) .. إن الضعفاء إذن في النار مع الذين استكبروا. لم يشفع لهم أنهم كانوا ذُيولا وامّعات، ولم يخفف عنهم أنهم كانوا غنمًا تُساق. لا رأي لهم ولا إرادة ولا اختيار.

لقد منحهم الله الكرامة، كرامة الإنسانية، وكرامة التبعة الفردية وكرامة الاختيار والحرية ولكنهم هم تنازلوا وانساقوا وراء الكبراء والملأ والحاشية. لم يقولوا لهم: لا. بل لم يُفكروا أن يقولوها بل لم يفكروا أن يتدبروا ما يقولونه لهم، وما يقودونهم إليه من ضلال .. (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) .. وما كان تنازلهم عما وهبهم الله وأتباعهم الكبراء ليكون لهم شفيعا عند الله، فهم في النار، ساقهم إليها قادتهم، كما كانوا يسوقونهم في الحياة سوق الشياة، ثم ها هم أولاء يسألون كبراءهم (فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ) كما كانوا يوهمونهم في الأرض أنهم يقودونهم في طريق الرشاد، وأنهم يحمونهم من الفساد، وأنهم يمنعونهم من الشر والضر وكيد الأعداء. وعلى العصبة المسلمة التي ترتقي في الأفق السامق أن تستعلي وتعتز بعقيدتها وربها، فالعزة هي صنو الإيمان في القلب المؤمن، العزة المستمدة من عزته تعالى، العزة التي لا تهون ولا تهن، ولا تنحني ولا تلين، ولا تزايل القلب المؤمن في أحرج اللحظات إلا أن يتضعضع فيه الإيمان، فإذا استقر الإيمان ورسخ فالعزة معه مستقرة راسخة (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت