الصفحة 204 من 306

إن العزة كلها لله، وليس شيء منها عند أحد سواه. وهذه الحقيقة كفيلة حين تستقر في القلوب أن تُبدل المعايير كلها، وتُبدل الوسائل والخطط أيضا (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) . فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره، ليطلبها من عند الله، فهو واجدها هناك، وليس بواجدها عند أحد ولا في أي كنف، ولا بأي سبب (فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا) . إنها حقيقة أساسية من حقائق العقيدة الإسلامية، وهي حقيقة كفيلة بتعديل القيم والموازين وتبديل الحكم والتقدير. وتعديل النهج والسلوك وتعديل الوسائل والأسباب. ويكفي أن تستقر هذه الحقيقة وحدها في أي قلب لتقف به أمام الدنيا كلها. عزيزا كريما. ثابتا في وقفته غير مزعزع. عارفا طريقه إلى العزة، طريقه الذي ليس له هنالك سواه. إنه لن يحني رأسه لمخلوق متجبر، ولا لعاصفة طاغية، ولا لحدث جلل، ولا لوضع ولا لحكم، ولا للدولة ولا لمصلحة، ولا لقوة من قوى الأرض جميعا، وعلام؟ والعزة لله جميعا.

والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس، حقيقة تستقر في القلب فيستعلي بها عن كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله. حقيقة يستعلي بها على نفسه أول ما يستعلي. يستعلي بها على شهواته المذلة ورغائبه القاهرة، ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس. ومتى استعلى على هذه، فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه، فإنما تذل الناس شهواتهم ورغائبهم ومخاوفهم ومطامعهم. ومن استعلى عليها فقد استعلى على كل وضع وعلى كل شيء وعلى كل إنسان. وهذه هي العزة الحقيقية، ذات القوة والاستعلاء والسلطان، إنها الاستعلاء على الخضوع الخانع لغير الله. ثم هي خضوع لله وخشوع، وخشية وتقوى. ومن هذا الخضوع ترتفع الحياة. ومن هذه الخشية لله تصمد لكل ما يأباه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت