وقد كان بلال رضوان الله عليه يفعل المشركون به الأفاعيل حتى ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول .. أحد .. أحد .. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها .. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله فيقول نعم. فيقول أتشهد أني رسول الله فيقول لا أسمع. فل يزل يُقطعه إربًا إربًا، وهو ثابت على ذلك. وذكر الحاقظ بن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذيفة السهمي -أحد الصحابة رضوان الله عليهم- أنه أسرته الروم. فجاؤوا به إلى ملكهم. فقال له تنصّر، وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي. فقال له لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملكه العرب أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت. فقال إذن أقتلك. فقال أنت وذاك. قال، فأمر به، فصلب. وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى. ثم أمر به فأنزل. ثم أمر بقدر، وفي رواية ببقرة من نحاس فأحميت. وجاء بأسير من المسلمين فألقاه، وهو ينظر، فإذا هي عظام تلوح، وعرض عليه فأبى. فأمر به أن يلقى فيها. فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى، فطمع فيه ودعاه، فقال: إنما بكيت لأن نفسي إنما هي واحدة تلقى في هذا القدر الساعة، في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تُعذب هذا العذاب في الله، وفي رواية: أنه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أيامًا. ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه. ثم استدعاه. فقال: ما منعك أن تأكل، فقال: أما أنه قد حلّ لي، ولكن لم أكن لأشمتك في. فقال له الملك: فقبّل رأسي وأنا أطلقك. فقال: تطلق معي جميع أسارى المسلمين. فقال نعم، فقبل رأسه. فأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده. فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حق على كل مسلم أن يُقبِّل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ. فقام فقبّل رأسه رضي الله عنهما) .. ذلك أن العقيدة أمر عظيم لا هوادة فيها ولا ترخص، وثمن الاحتفاظ بها فادح، ولكنها ترجحه في نفس المؤمن، وعند الله، وهي أمانة لا يؤتمن عليها إلا من يفديها بحياته وهانت الحياة، وهان كل ما فيها من نعيم. أما الضعاف المشوهي الإيمان فيغريهم البريق الخادع القريب من عيونها .. من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء يدينون لغير الله، والله هو خالقهم ورازقهم وكافلهم وكافلهم دون سواه. لا أحد. لا أحد إلا أنفسهم الضعيفة. فهم ضعفاء، لا لأنهم أقل قوة مادية من الطغاة، ولا لأنهم أقل جاهًا أو مالًا أو منصبًا أو مقاما .. كلا .. إن هذه كلها أعراض خارجية لا تُعد بذاتها ضعفا يلحق صفة الضعف بالضعفاء. إنما هم ضعفاء لأن الضعف في أرواحهم، وفي قلوبهم، وفي نخوتهم ..
إن المستضعفين كثرة، والطواغيت قلة. فمن ذا الذي يخضع الكثرة للقلة وما الذي يخضعها، إنما يخضعها ضعف الروح وسقوط الهمة وقلة النخوة. والتنازل الداخلي عن الكرامة التي وهبه الله لبني الإنسان.
إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير، إلا برغبة هذه الجماهير، فهي دائما قادرة على الوقوف لهم لو أرادت. فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان.