الصفحة 190 من 306

هناك حقيقة يجب أن يقف أمامه الدعاة يتملونها كثيرًا .. وهي قدر الله أن يكون لكل نبي عدو، هم شياطين الإنس والجن، وقدره أن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليخدعوهم به، ويغروهم بحرب الرسل وحرب الهدى. وقدر الله أن تصغي إلى هذا الزخرف أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ويرضوه ويقترفوا ما يقترفونه من العداوة للرسل والحق، ومن الضلال والفساد في الأرض .. كل ذلك إنما يجري بقدر الله، وفق مشيئته. فليس شيء من هذا كله بالمصادفة، وليس شيء من هذا كله بسلطان من البشر كذلك أو قدرة (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ) .

فإذا تقرر أن هذا الذي يجري في الأرض من المعركة الناشبة التي لا تهدأ بين الرسل والحق الذي معهم، وبين شياطين الإنس والجن وباطلهم وزخرفهم وغرورهم. إذا تقرر أن هذا الذي يجري في الأرض إنما يجري بمشيئة الله. ويتحقق بقدر الله، فإن المسلم ينبغي أن يتجه إذًا إلى تدبر حكمة الله من وراء ما يجري في الأرض بعد أن يدرك طبيعة هذا الذي يجري، والقدرة التي وراءه .. هكذا يوضح الله تبارك وتعالى: بإرادتنا وتقديرنا جعلنا لكل نبي عدوًا .. هذا العدو هو شياطين الإنس والجن: والشيطنة وهي التمرد والغواية والتمحض للشر، صفة تلحق بالإنس كما تلحق بالجن: ذلك أن هذه الحقيقة إذا عرفها القلب يجب أن تقرر:

1 -إن الذين يقفون بالعداوة لكل نبي ويقفون بالأذى لاتباع الأنبياء هم شياطين .. شياطين من الإنس ومن الجن .. وإنهم يؤدون جميعًا وظيفة واحدة وأن بعضهم يخدع بعضًا، ويضله كذلك مع قيامهم جميعًا بوظيفة التمرد والغواية وعداء أولياء الله.

2 -إن هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئًا من هذا كله، ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء، وإيذاء أتباعهم بقدرة ذاتية فيهم .. إنما هم في قبضة الله، وهو يبتلي بهم أولياءه لأمر يريده من تمحيص هؤلاء الأولياء، وتطهير قلوبهم، وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء. فإذا اجتازوا الامتحان بقوة، كفّ الله عنهم الابتلاء. وكفّ عنهم هؤلاء الأعداء، وعجز هؤلاء الأعداء أن يمدوا إليهم بالأذى وراء ما قدر الله. وآب أعداء الله بالضعف والخذلان وبأوزارهم كاملة يحملونها على ظهورهم.

3 -إن حكمة الله الخالصة هي التي اقتضت أن يترك لشياطين الإنس والجن أن يتشيطنوا، فهو -إنما يبتليهم في القدر الذي تركه لهم من الاختيار والقدرة- وأن يدعهم يؤذون أولياءه فترة من الزمن- فهو إنما يبتلي أولياءه كذلك لينظروا: أيصبرون؟ أيثبتون على ما معهم من الحق بينما الباطل ينتفش عليهم ويستطيل؟ أيخلصون من حظ أنفسهم في أنفسهم ويبيعونها بيعة واحدة لله على السراء والضراء سواء .. وفي المنشط والمكره سواء؟ وإلا فقد كان الله قادرًا على ألا يكون شيء من هذا الذي كان.

4 -إن هوان الشياطين من الإنس والجن، وهوان كيدهم وأذاهم، فما يستطيلون بقوة ذاتية لهم، وما يملكون أن يتجاوزوا ما أذن الله به على أيديهم .. والمؤمن الذي يعلم أن ربه هو الذي يقدر، وهو الذي يأذن، خليق أن يستهين بأعدئه من الشياطين مهما تبلغ قوتهم الظاهرة وسلطانهم المدعى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت