الصفحة 191 من 306

إن هذا المشهد الذي يرسمه القرآن الكريم للمعركة، ومشيئة الله المهيمنة، وقدرة النافذ جدير بأن نقف أمامه: إنها معركة تتجمع فيها قوى الشر في هذا الكون .. شياطين الإنس والجن .. تتجمع في تعاون وتناسق لإمضاء خطة مقررة .. هي عداء الحق الممثل في رسالات الأنبياء وحربه .. خطة مقررة في وسائلها (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) .. يمد بعضهم بعضا برسائل الخداع والغواية، وفي الوقت ذاته يغوي بعضهم بعضًا وهي ظاهرة ملحوظة في كل تجمع للشر في حرب الحق وأهله ..

إن الشياطين يتعاونون فيما بينهم، ويعين بعضهم بعضًا على الضلال أيضًا. إنهم لا يهدون بعضهم البعض إلى الحق أبدًا، ولكن يزين بعضهم لبعض عداء الحق وحربه والمضي في المعركة معه طويلا .. ولكن هذا الكيد كله ليس طليقًا .. إنه محاط بمشيئة الله وقدره .. لا يقدر الشياطين على شيء منه إلا بالقدر الذي يشاؤه الله وينفذه بقدره. ومن هنا يبدو هذا الكيد -على ضخامته وتجمع قوى الشر العالمية كلها عليه- مقيدًا مغلولًا. إنه لا ينطلق كما يشاء بلا قيد ولا ضابط. ولا يصيب من يشاء بلا معقب ولا مراجع كما يحب الطغاة أن يلقوا في روع من يعبدونهم من البشر ليعلقوا قلوبهم بمشيئتهم وإرادتهم .. كلا إن إرادتهم مقيدة بمشيئة الله، وقدرتهم محدودة بقدر الله، وما يضرون أولياء الله بشيء إلا بما أراده الله -في حدود الابتلاء- ومرد الأمر كله إلى الله. ومشهد التجمع على خطة مقررة من الشياطين جدير بأن يسترعي وعي أصحاب الحق ليعرفوا طبيعة الخطة ووسائلها .. ومشهد إحاطة مشيئة الله وقدره بخطة الشياطين وتدبيرها جدير كذلك بأن يملأ قلوب أصحاب الحق بالثقة والطمأنينة واليقين وأن يعلق قلوبهم وأبصارهم بالقدرة القاهرة والقدر النافذ وبالسلطان الحق الأصيل في هذا الوجود. وأن يمضوا في طريقهم يبنون الحق في واقع الخلق بعد بنائه في قلوبهم، هم، وفي حياتهم، أما عداوة الشياطين وكيد الشياطين، فليدعوهما للمشيئة المحيطة والقدر النافذ (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت